من أسباب اللذة والفرح في رمضان

الكاتب: المدير -
من أسباب اللذة والفرح في رمضان
"من أسباب اللذة والفرح في رمضان

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد:

فإن الفرح في رمضان جائزة الصيام المعجلة في الدنيا قبل الآخرة، ومن رحمة الله بعباده أن جعل لهم في هذه الدنيا بعض ثمرات العبادة المعجلة قبل ثواب الآخرة؛ لينشطوا في العبادات، ويستمروا على الطاعات، وقال ابن القيم في مدارج السالكين (2/ 67- 68): فإن سرور القلب بالله وفرحه به، وقرة العين به، لا يشبهه شيء من نعيم الدنيا البتة، وليس له نظير يقاس به، وهو حال من أحوال أهل الجنة، حتى قال بعض العارفين: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب.

 

ولا ريب أن هذا السرور يبعثه على دوام السير إلى الله عز وجل، وبذل الجهد في طلبه، وابتغاء مرضاته، ومن لم يجد هذا السرور، ولا شيئًا منه، فليتهم إيمانه وأعماله، فإن للإيمان حلاوة، من لم يذقها فليرجع، وليقتبس نورًا يجد به حلاوة الإيمان.

 

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذوق طعم الإيمان ووجد حلاوته، فذكر الذوق والوجد، وعلقه بالإيمان، فقال: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا». وقال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله. ومن يكره أن يعود في الكفر - بعد إذ أنقذه الله منه - كما يكره أن يلقى في النار».

 

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحًا، فاتهمه، فإن الرب تعالى شكور.

 

يعني أنه لا بد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه، وقوة انشراح وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول ا.ه.

 

ولذلك خص الصائم بالفرح في رمضان عند فطره وعند لقاء ربه، كما في الصحيحين يقول صلى الله عليه وسلم: وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا؛ إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ .

 

وجاء النص بفرح الصائم في رمضان عند فطره وعند لقاء ربه كما سيأتي، وهناك أسباب أخرى للفرح في رمضان وفي غيره، ولكنها تزيد في رمضان، ومنها:

1- التلذذ بعبادة الصلاة الخاشعة وفرح النفس بذلك، كما صح في المسند والنسائي قال صلى الله عليه وسلم: وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ ، وصح في سنن أبي داود يَقُولُ صلى الله عليه وسلم: يَا بِلَالُ، أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا .




2- الشعور بقرب الله من عبده، ولذلك عدة أسباب، وهي وإن كانت ليست مرتبطة بالصيام؛ لكن أثرها - حين يقبل عليها الصائم صادقًا مخلصًا لله تعالى- على فرحة الصائم أكبر، ومن ذلك:
أ- كثرة ذكره لله تعالى، قال تعالى: ? فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ? [البقرة: 152].

وقال تعالى:? الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ? [الرعد: 28]، وفي صحيح البخاري قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ...

 

ولما كان الذكر بهذه المكانة العظيمة اشتغل به عباد الله الصالحون على كل أحوالهم، فمن شدة حبهم لله وتلذذهم بذكره يذكرونه قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، فقال تعالى في وصفهم: ? الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ? [آل عمران: 191].

 

وبين الله في كتابه بم يكون الفرح؟ فقال تعالى: ? يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ? [يونس: 57، 58].

 

قال السعدي في تفسيره(367): وإذا حصل الهدى، وحلت الرحمة الناشئة عنه، حصلت السعادة والفلاح، والربح والنجاح، والفرح والسرور، ولذلك أمر تعالى بالفرح بذلك فقال: ? قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ ? الذي هو القرآن، الذي هو أعظم نعمة ومنة، وفضل تفضل الله به على عباده ? وَبِرَحْمَتِهِ ? الدين والإيمان، وعبادة الله ومحبته ومعرفته. ? فَبِذَلِكَ ‌فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ? من متاع الدنيا ولذاتها.

 

فنعمة الدين المتصلة بسعادة الدارين، لا نسبة بينها، وبين جميع ما في الدنيا، مما هو مضمحل زائل عن قريب.

 

وإنما أمر الله تعالى بالفرح بفضله ورحمته، لأن ذلك مما يوجب انبساط النفس ونشاطها، وشكرها لله تعالى، وقوتها، وشدة الرغبة في العلم والإيمان الداعي للازدياد منهما، وهذا فرح محمود، بخلاف الفرح بشهوات الدنيا ولذاتها، أو الفرح بالباطل، فإن هذا مذموم كما قال تعالى عن قوم قارون له: ? لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ? [القصص: 76].

 

وكما قال تعالى في الذين فرحوا بما عندهم من الباطل المناقض لما جاءت به الرسل: ? فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ? [غافر: 83]ا.ه.

 

وتأمل معي في فرح النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمات الأربع: ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَأَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، ‌أَحَبُّ ‌إِلَيَّ ‌مِمَّا ‌طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ».


ب- ومن أسباب قرب الله من عبده الدعاء الذي هو من أعظم? العبادات، قال تعالى بين آيات الصيام في بيان قربه من عباده الداعين: ? وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ? [البقرة: 186].

 

وفي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي .

 

وللدعاء أثر كبير في انشراح النفس والفرح وبالأخص الأدعية التي لها أثر في الفرح وإزالة الهم، وصح في المسند وغيره، أنه قال صلى الله عليه وسلم: مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ، وَلَا حَزَنٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ؛ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا . قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا .

 

ت- ومن أسباب القرب من الله وله أثر عظيم في انشراح النفس والفرح: الإحسان في العبادة والإحسان إلى العباد، يقول الله تعالى: ? وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ? [العنكبوت: 69].

 

والإحسان في العبادة فسره النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ .

 

وكذلك مما يجلب الفرح والسرور وانشراح النفس الإنفاق والإحسان إلى الناس بالقول والفعل، وذلك ببذل المال وأن تخالق الناس بخلق حسن، قال تعالى:? أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ? [البقرة: 195]، وقال تعالى:? إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ? [الأعراف: 56]، وقال تعالى:? وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ? [الحج: 37].

 

3- فرح الصائم عند الإفطار، كما في الصحيحين يقول صلى الله عليه وسلم: وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا؛ إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ ، ولهذا الفرح أسباب يقوى بها منها:

أ- الدعاء قبل لحظات الإفطار، وللدعاء في هذه اللحظات أثره الكبير على زيادة فرح المؤمن عند فطره، لأن? له أثر على قرب العبد من الله.

 

ب- تذكر نعمة الله عليك حيث أباح لك ما حرم عليك، فامتثلت أمره باجتناب ما حرم عليك في نهار الصوم، وامتثلت أمره بالفطر الذي أحله لك بعد غروب الشمس، وهذه من أجمل مظاهر العبودية التي تجلب فرح النفس.

 

ويدخل في هذا الفرح فرحه يوم العيد بإكمال صيام شهر رمضان، ولهذا يجد المؤمن الذي أجتهد في صومه في يوم العيد فرحة عظيمة، ربما لا تسعف العبارات بوصفها، من ذاقها عرفها وهي فرحة خاصة لا يعرفها إلا من ذاقها، ليست كفرحة الأطفال بالعيد، التي هي فرحة جسدية فقط، وتلك فرحة الروح مع الجسد.

 

4- كثرة التوبة والاستغفار طوال نهار الصوم وليله، لأن الله تعالى من رحمته بعبده يفرح بتوبته فرحًا عظيمًا ضرب له النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا ليقربه، كما في صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم: لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلَكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ. فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ، فإذا فرح الله بتوبة العبد أفرحه بذلك في نفسه، ووجد أثر فرحة الله بزيادة فرحه وسروره وشعوره بقربه من ربه.

 

5- الفرح العظيم عند لقاء الله وهذا يكون بأمور منها:

أ- لاجتهاده في قيام الليل ودعائه ونفقته في رمضان وفي غيره لكنها في رمضان أكثر، وهذه العبادات تثمر له يوم القيامة الفرح العظيم، كما قال تعالى: ? تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ? [السجدة: 16، 17]، فلا تسل عن فرحتهم بما أخفي لهم من النعيم العظيم.

 

ب- فرحهم بالاصطفاء من قبل الله من بين الخلائق، ليدخلوا من باب الريان إلى الجنة حيث ينادى بهم في ذلك اليوم العظيم أين الصائمون؟ فقل لي بربك ما مشاعر الفرح العظيم التي تعتلج في صدورهم في هذا الموقف العظيم؟ وجاء في الصحيحين من حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا، يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ؛ أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ .

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد عبد الله ورسوله.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook