من صور حسن الخاتمة

الكاتب: المدير -
من صور حسن الخاتمة
"من صور حسن الخاتمة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإنّ في مناقب الأئمة عبرًا للذاكرين، وفي مشاهدَ من حياتهم ثمراتٍ حلوةً للذائقين، وفي هديهم نورًا يضيء سناه للسائرين.

 

وقفتُ منذ مدة على مشهدٍ عظيمٍ مهيب، يُعدّ من مناقب الإمام الكبير أبي زُرْعة الرازي (ت264هـ) رحمه الله، فتأملتُ ما يحمله بين طياته من لطائفَ ودررٍ، فرأيتُ أن أدونها وأشارككم قراءتها.

 

فإليكم المشهد:

قال الحافظ الذهبي في ترجمة الإمام أبي زُرْعة - رحمه الله تعالى -:

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ، وَرَّاقُ أَبِي زُرْعَةَ: حَضَرْنَا أَبَا زُرْعَةَ بِمَاشهرَان، وَهُوَ فِي السَّوْقِ[1]، وَعِنْدَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَابْنُ وَارَةَ، وَالمُنْذِرُ بنُ شَاذَانَ، وَغَيْرُهُم، فَذَكَرُوا حَدِيْثَ التَّلْقِيْن: ((لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله))[2]، وَاسْتَحْيَوا مِنْ أَبِي زُرْعَةَ أَنْ يُلَقِّنُوهُ، فَقَالُوا: تَعَالَوا نَذْكُرِ الحَدِيْثَ.

 

فَقَالَ ابْنُ وَارَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيْدِ بنُ جَعْفَرٍ، عَنْ صَالِحٍ، وَجَعَلَ يَقُوْلُ: ابْنُ أَبِي، وَلَمْ يُجَاوزْهُ.

 

وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا بُنْدَار، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيْدِ بنِ جَعْفَرٍ، عَنْ صَالِحٍ وَلَمْ يُجَاوِزْ، وَالبَاقُوْنَ سَكَتُوا، فَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَهُوَ فِي السَّوقِ:

حَدَّثَنَا بُنْدارُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيْدِ، عَنْ صَالِحِ بنِ أَبِي عَرِيْبٍ، عَنْ كَثِيْرِ بنِ مُرَّةَ، عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ))[3]، وَتُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ.




رواها أبو عبد الله الحاكم وغيره عن أبي بكر محمد بن عبد الله الورّاق الرازي، عن أبي جعفر بهذا[4].

 

ثم أعاد الذهبي القصة في آخر الترجمة، فقال:

أَخْبَرَنَا ابْنُ الخَلاَّلِ، أَخْبَرَنَا الهَمْدَانِيُّ، أَخْبَرَنَا السِّلَفِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مَالِكٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى الحَافِظُ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ عَلِيٍّ الفَرَضِي، سَمِعْتُ القَاسِمَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ مَيْمُوْنَ، سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ الحَافِظَ، سَمِعْتُ ابْنَ وَارَةَ، يَقُوْلُ:

حَضَرْتُ أَنَا وَأَبُو حَاتِمٍ عِنْدَ وَفَاةِ أَبِي زُرْعَةَ، فَقُلْنَا: كَيْفَ تُلَقِّنُ مِثْلَ أَبِي زُرْعَةَ؟

 

فَقُلْتُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيْدِ بنُ جَعْفَرٍ.

 

وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا بُنْدَارُ فِي آخَرِيْنَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيْدِ، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ:

حَدَّثَنَا بُنْدَارُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الحَمِيْدِ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بنُ أَبِي عَرِيْبٍ، عَنْ كَثِيْرِ بنِ مُرَّةَ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ:

قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ: لاَ إلَهَ إِلاَّ الله))، وَخَرَجَ رُوْحُهُ مَعَهُ[5].




من فوائد هذا المشهد:

1- عظيم منّة الله تعالى ولطفه بأهل علم الحديث؛ إذ حفظوا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فحفظهم الله به في أحلك الأوقات، ففيه أنّ هذا من العلم الذي لا يضيّع صاحبَه، إذا حفظه العبدُ حفظه[6].

 

2- أنّ من عاش على شيء مات عليه.

 

3- فيه تحفيز لطالب العلم أنه بطلبه للعلم ابتغاءَ وجه الله يسلك الله به طريقًا إلى الجنّة؛ فيثبته في حياته وعند موته بالقول الثابت لا إله إلا الله.

 

4- فيها بيان غاية احتياط السلف بالمحافظة على رواية الحديث مسندًا حتى في أحرج الأوقات، ولم يمنعهم كون العالم في الاحتضار من سوق الحديث بسنده.

 

5- ذكاء وحسن لباقة هؤلاء الثلّة من المحدّثين في اختيار الأسلوب اللطيف لتلقين العالم.

 

6- أنه لا يُجزم لأحد مهما بلغ من الشأن باستغنائه عن أسباب النجاة الشرعية من الأعمال الصالحة، ولذلك فهؤلاء مع علمهم بجلالة الإمام أبي زرعة إلا أنهم رغبوا في إعانته على سبب شرعي من أسباب النجاة وهو تطبيق السنّة بالتلفظ بكلمة التوحيد في آخر كلامه في الدنيا[7].

 

7- الهيبة التي جعلها الله تعالى لأهل العلم؛ إذ هؤلاء الأئمة هابوا الإمامَ أبا زُرعة -وهو في سياق الموت- أن يلقنوه الشهادة، وعجزوا عن إكمال الحديث، مع أنهم من أصحابه.

 

8- قوة استحضار الإمام أبي زُرْعة رحمه الله؛ لتذكره الحديث بسنده ومتنه وهو السياق.

 

9- فضل الأصحاب الصالحين على المرء، ووقوفهم معه في أحوج ما يكون إليهم.

 

10- فضل مجالس الصالحين والاستفادة من علومهم وهديهم، ونقلها للناس، فهذا المشهد المهيب نقله لنا أبو جعفر الورّاق؛ إذ كان حاضرًا فيه.

 

11- أنّ الناصحين من العباد بصدقهم يهيئ الله تعالى لهم بلطفه الطرقَ والأفكارَ والوسائلَ التي يبلغون بها مرادهم.

 

12- أنّ الذي ينفع المرء بعد توفيق الله تعالى إيمانه وعمله الصالح، فذلك سبب ثباته ونجاته وسعادته، وأما المال والنسب فلا ينفعان من الله شيئًا ما لم يُتبعهما المرء بالإيمان والعمل الصالح، فهذا أبو طالب عمّ سيّد الخلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو من يلقنه الشهادة عند احتضاره، ومع ذلك لم يقلها! والأمر كما قال الله عزّ وجلّ: ? إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ? [القصص:56]، وقام رسول الله عليه وآله وسلم حين أنزل الله ? وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ? [الشعراء:214]، قال: ((يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا))[8]. نسأل الله تعالى الثبات على الإسلام حتى نلقاه عليه.

 

وأختم بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلاَثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ))[9].

 

فليجهدِ النّاصحُ لنفسه فيما يبقى.

 

وصلّى الله وسلّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.




[1] أي: عند الاحتضار. قَالَ ابْن شُميل: رَأَيْت فلَانًا فِي السَّوْقِ، أَي: فِي الْمَوْت. تهذيب اللغة، لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت370هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 2001م، (9/ 184) ق س (وايء).

[2] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، ح (917)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا.

[3] أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الجنائز، باب في التلقين، ح (3116)، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، مرفوعًا. وصححه الألباني رحمه الله.

[4] سير أعلام النبلاء، لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9، 1413هـ- 1993م، (13/ 76 – 77).

[5] سير أعلام النبلاء (13/ 85).

[6] عن أستاذتي د. عائشة الحربي حفظها الله. عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى.

[7] من تأملات الدكتورة عائشة الحربي حفظها الله.

[8] متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ} (الشعراء: 214-215): ألن جانبك، ح (4771)، ومسلم، في صحيحه كتاب الإيمان، (206)، عن أبي هريرة مرفوعًا.

[9] متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب سكرات الموت، ح (6514)، ومسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، ح (2960)، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، مرفوعًا.


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook