من طرق وأساليب التعامل مع المدعوين

الكاتب: المدير -
من طرق وأساليب التعامل مع المدعوين
"من طرق وأساليب التعامل مع المدعوين




يتفرد الإسلام من بين الرسالات السماوية والأنظمة الوضعية بأنه دين عالمي الدعوة، ختم الله به رسالاته، ورضيه للناس دينًا يتسق مع الفطرة التي فطرهم عليها بلا فرق بين جنس ولون وعِرْق ولسان،وكلف بتبليغه كل من سمع عنه، أو آمن به، وخص العرب بمسؤولية خاصة تجاه ذلك، من حيث إن الوحي الخاتم نزل بلغتهم، فكان في ذلك شرف لهم، يترتب عليه عبء الدعوة إليه من منطلق فهمهم لمراد الله، ومنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه: ? فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ? [الزخرف: 43، 44]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بلِّغوا عني ولو آيةً))؛ (صحيح البخاري)، وقال: ((ليبلِّغ الشاهد منكم الغائب؛ فرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامعٍ))؛ (صحيح البخاري)، وقال: ((تَسمعون، ويُسمَع منكم، ويُسمَع ممن سمع منكم)) (سنن أبي داود).




لهذا وجب على كل مسلم: أن يدعو إلى الله بالمنهج الذي رسمه الله؛ بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، إما على سبيل الوجوب العيني؛ وذلك في نطاق ما عُلِم من الدين بالضرورة، وهو ما يسمى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو صفة المجتمع الإسلامي، وهو مناط خيريته على الأمم، ? وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ? [التوبة: 71]، ? كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ? [آل عمران: 110]، وإما على سبيل الوجوب الكفائي لمن يتفقه في الدين، ويتعمق في إدراك مراد الله من العلماء الذين يفرض الله على الأمة أن تتبنى تعليمهم، وأن تخرج من كل فرقة طائفة منها تتفقه في دين الله، وتحرس الدِّين، وتحذر من الانحراف، وذلك كما في قوله: ? وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ? [التوبة: 122]، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن يُرِد الله به خيرًا، يفقِّهه في الدين))؛ (صحيح البخاري)،وقوله: ((طلب العلم فريضةٌ على كل مسلمٍ))؛ (سنن ابن ماجه).




على أن من يتولى الدعوة، لا بد أن يكون على بصيرة مما يدعو إليه، وأن يكون على بصيرة أيضًا من أحوال من يدعوهم، ومن لغتهم، ومن طرق توصيل المعلومة إليهم، كما قال سبحانه: ? وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ? [إبراهيم: 4]، ولأن الدعاةَ نواب هؤلاء الرسل لا بد من الإلمام بلسان من يدعوهم إلى الله؛ ولذلك كان من مستلزمات القيام بهذا الواجب أن يتعلم الدعاةُ لغةَ من يرسلون إليهم، بمعنى أن يخصص لكل دولة مجموعة من الدعاة تتقن وسائل توصيل الدعوة إليهم، وهذه هي الفكرة الأساسية لإنشاء كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر.




وليست اللغة وحدها بكافية لفهم واقع المجتمع الذي يُتكلَّم بها معه؛فلا بد من دراسة البيئة دراسة عميقة،وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في المنهج الذي وضعه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في قوله: ? هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ? [الجمعة: 2].




وفي آية أخرى: ? لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ? [آل عمران: 164].




ذلك أنه حين يكون الداعي ممن يقيم مع المدعوين يدرك ما يشغَلهم، فيقدم الأهم على المهم، ويحدِّد المداخل إلى قلوبهم وعقولهم، والوسائل التي تصلح معهم، وقد يكون ذلك مما دعا كثيرًا من الفقهاء إلى أن يشترطوا في خطيب الجمعة أن يكون مقيمًا بالبلد مدة،ثم على الداعي أيضًا أن ينوِّع خطابه حسب أوضاع الفئة التي يدعوها؛ فما يصلح للحضر ربما لا يصلح للبدو، وما يخاطب به المثقفون غير ما يخاطب به العوام، وما يصلح للصغار ربما لا يصلح للكبار، وهكذا..




من هذه الحقائق الدعوية ندلف إلى فكر الإمام أبي حنيفة لنتعرف على طبيعة من اختارهم لدعوته، وكيف تعامل مع كل فئة بما يلائمها،وبما هو على استعداد للخوض فيه معهم،فليست الدعوة خاصة بالمنبر ويوم الجمعة،وقد رأينا في سيرته أنه قد اختار مخاطبة العامة بالأسلوب العملي، بمعنى أنه كان حريصًا على أن يقدم الإسلام لهم في صورة عملية؛ فحال الداعية أفضل من لسانه وبلاغته، والمدعوون في أشد الحاجة إلى القدوة،ولولا ما كان يتميز به المصطفى صلى الله عليه وسلم من خلق فاضل أثنى به عليه ربه في مثل: ? وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ? [القلم: 4]، ? فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ? [آل عمران: 159]، وفي مثل وصف أقرب الناس إليه حين نزول الوحي عليه، حيث قالت له السيدة خديجة: إنك لتصِلُ الرَّحِم، وتصدُقُ الحديث، وتحمل الكَلَّ، وتَكسِب المعدوم، وتَقري الضيف، وتعين على نوائب الحق؛ (صحيح البخاري) - لولا ذلك، لَمَا نجحت دعوته، ولَمَا أقبل الناس عليه، أو كما قال الله تعالى، ومن هنا وجدنا الإمام أبا حنيفة، لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله، إذا سمع اللغو أعرض عنه، يجهر بالحق حين يصمت أولو النهى، يتكسب من عمله؛ ليحافظ على كرامته، تظهر آثار النعمة عليه في ملبَسِه وعطره وأناقته، يتخذ الوقار رداءً له، فلا يتكلم إلا جوابًا، يقاوم طغيان الأمير في زمن الأمويين، والخليفة في زمن العباسيين، ويصبر على التعذيب من كليهما، يصارع أهل التعصُّب للتقاليد والمذهبية، يجالس الصالحين أصحاب القلوب الرقيقة، وينفِرُ من المتكلمين أصحاب الأفئدة الغليظة، كما عبر عنهم، يلازم القرآن وقيام الليل، يحسن إلى المكروبين، لا يرد سؤال السائلين، يتحاشى الشبهات، ويلزم الورع، يشفع لجار سكير أخذته الشرطة، فيتوب الرجل عن شرب الخمر، ويجتهد في طلب العلم حتى صار من العلماء،يشتري الخبز يوميًّا يوزعه على جيرانه وعلى كل مـن يختلف إلى بابه، وكان يقول: ما ملكت أكثر من أربعة آلاف درهم منذ أكثر من أربعين سنة إلا أخرجته، ولولا أني أخاف أن ألجأ إلى هؤلاء، مـا تركت منها درهمًا واحدًا، رفض مقولة الكذب المباح.




هذه الأخلاق المستقاة من سيرة خير الدعاة جعلت أثره في العامة أفضل من أي خطيب، وقد مر في الفصل السابق بيان لما تميز به من صفات كانت من أسباب ثقة الناس فيه وحبهم له.




أما الجانب الآخر من دعوته، فقد اختار مجال التدريس لطلاب العلم، وإكرامهم ورعايتهم، فتكونت على يده مدرسة الفقه التي وصفها الإمام الشافعي: بأن كل الناس عيال على فقه أبي حنيفة؛ ذلك أنه كان يترك لتلاميذه الحرية في نقده، وتخطئته أحيانًا، ويظل يتناقش معهم بالساعات الطوال، ويتدارس معهم مسائل الفقه بالمعقول والمنقول.




ولقد كان في ذلك بعيد النظر، مستشرفًا للمستقبل الذي جدت فيه أحداث ووقائع لم يكن ممكنًا أن يستوعبها الفكر التقليدي لدى المتزمتين في عصره، الذين تعجز ملكاتهم عن الفهم الواعي للنصوص، والذين اتهموه بأنه يقدم الرأي على النص، وكذبوا؛ فقد كان ثقة في الحديث، وعالِمًا بالجـرح والتعديل، ولم يرد إلا الحديث الشاذ، بل كان يقدم الحديث الضعيف على رأيه، ويكفيه أنه كان من التابعين؛ فقد اتفق المؤرخون على أنه رأى أنس بن مالك بالكوفة، بل ذهب ابن حجر إلى أنه رأى أربعة من الصحابة غير أنس، هم: عبدالله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وعبيدالله بن أنيس، وعمرو بن حريث،كما يكفيه موقفه من علم الكلام وتفضيله لِما كان عليه المتقدمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.




بهذا المنهج وبتلك الثقافة وبهذه العقلية المتحررة، ناظر أعلام الفقهاء في عصره، وربى تلامذته، على أن العمل المستقيم لا بد أن ينبني على فكر مستقيم، وعلم مقرر ثابت، وأن المعلم يجب ألا يكون فيه تردد في مسائل العقيدة والإيمان، أما ما يتعلق بالعمل فيكتفى في إثباته بالأدلة الظنية، وفي مثل هذا لا يجزم الشخص ببطلان قول مخالفه، بل يرجح قول نفسه، ويقول: إنه صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب.




بل كان ينصح تلاميذه بدرر غالية، مثل قوله لتلميذه يوسف بن خـالد البستي: متى أحسنت عِشرة قوم ليسوا لك بأقرباء، صاروا لك أمهات وآباء،أنزل كل رجل منزلة، وأكرم أهل الشرف، وعظِّم أهل العلم، ووقر الشيوخ، ولاطِف الأحداثَ، وتقرَّب من العامة، واصحَب الأخيار، ولا تخادن خسيسًا ولا وضيعًا، وابذُلْ طعامك؛ فإنه ما ساد بخيل قط، وأحسن إلى من يحسن إليك ومن يسيء، وتغافل عما لا يعنيك، وأفشِ السلام، ولو على قوم لئام، وأعطِ كل من يختلف إليك نوعًا من العلم ينظرون فيه.




والمودة تستديم مواظبة العلم، وارضَ لهم ما رضوا لأنفسهم، وقدم إليهم حسن النية، واطرح الكِبْر.




هكذا كان ينصح تلاميذه، بما صار له خلقًا ومنهجًا، وكان له معوانًا على تبوئه مركز الإمامة.

 

من بحث مقدم لمؤتمر سمات الخطاب الإسلامي - 2012م


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook