من فقه العلماء في اختيار النصوص

الكاتب: المدير -
من فقه العلماء في اختيار النصوص
"من فقه العلماء في اختيار النصوص

 

العلماء الراسخون عندما يؤلفون كتابًا في أي فن من فنون العلم، أو يكتبون شيئًا - لا يتوقف اهتماهم في اختيار النصوص عند المعنى الذي يريدون الاستشهاد له، وإنما يحرصون على أن يستفيد القارئ من النص محل الاستشهاد فوائدَ متعددة فوق المعنى الذي يقصد الاستشهاد له، فقد يكون أمام العالم أكثر من نص للمسالة محل الاستشهاد، ولكنه يبحث عن نص يفيد معنًى زائدًا كان يفيد معنًى تربويًّا أو أخلاقيًّا أو دينيًّا، وسأذكر لذلك نموذجين قديمًا وحديثًا:

النموذج الأول:

عندما كنت أقرأ على شيخنا ووالدنا الأستاذ الدكتور أحمد محرم رحمه الله[1] في رسالة الدكتوراه التى كان موضوعها منهج التوثيق بين المحدثين وكُتَّاب السيرة.

 

أتينا على ترجمة أبان بن عثمان، فكان مما ذكرته في ترجمته أنه أصيب بفالج، فلما انتهيت من ترجمة أبان سالني الشيخ رحمه الله: هل قرأت كتابي دراسة منهجية للمصنفات في السيرة التحليلية، قلت: نعم، قال: إذًا لم تستفد منه شيئًا، قلت: بل استفدت كثيرًا، قال لي: لقد ذكرت في ترجمة أبان هناك نصًّا مهمًّا يتعلق بمرضه يفيد القارئ دينيًّا وإيمانيًّا، فتذكرت النص وفهمتُ قصد شيخنا من إيراده وها هو النص، فقد روى الترمذي عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ، أَوْ مَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ إِلاَّ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، قَالَ: وَكَانَ أَبَانُ قَدْ أَصَابَهُ رِيحٌ مِنَ الْفَالِجِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَرَأَى مَا بِهِ فَفَطِنَ لَهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، فَقَالَ: إِنَّ الْحَدِيثَ كَمَا حَدَّثْتُكَ وَلَكِنْ لَمْ أَقُلْهُ يَوْمَئِذٍ لِيَمْضِيَ قَدْرُ اللهِ، فانظر كيف كان الشيخ رحمه الله حريصًا على أن يستفيد القارئ من النص فوائد متعددة.

 

ومما أخبرني به شيخنا رحمه الله أنه كان حريصًا في كتابه هذا وهو يختار نصوص السيرة محل الاستشهاد من كل مصنف قام بدراسته، كان يحرص على تنوع النصوص واشتمالها على أكثر من فائدة، فرحم الله شيخنا وأجزَل له المثوبة.

 

النموذج الثاني:

تذكرت هذا الحوار السابق اليوم وأنا اقرأ ما نقله بعض الأفاضل من دروس الأستاذ الشيخ محمد أبي موسى[2]؛ حيث قال حفظه الله في درس اليوم (الثلاثاء 30/ 7/ 2019م): حينما أجد العالِم يتقصَّى أحاول أن أتقصَّى أنا أيضًا وراءه؛ فمن ذلك أني وجدت الإمام عبدالقاهر يستشهد ببيت للأعشى، وهذا البيت ترتيبه الثاني والخمسون في القصيدة، وهذا معناه أن عبدالقاهر قرأ القصيدة كُلَّها، ثم لاحظت أن الأبيات التي قبل هذا الشاهد فيها أبيات كثيرة تصلح شاهدًا للمسألة نفسها؛ فتقصَّيت السِّر وراء صنيعه ذاك، حتى وجدت أن البيت الذي ساقه عبدالقاهر يحمل معنى إنسانيًّا نبيلًا جدًّا، فأراد أن يبرزه ويحتفي به، وقد أكد الشيخ أبو موسى هذا المعنى في كتابه خصائص التراكيب، فقال: كان عبدالقاهر يختار شواهده بعد مراجعة، وكأنه كان يقصد إلى ما فيها من فضائل النفوس حتى ينتفع القارئ بها؛ لأن الهدف الأهم هو بناء النفس على مكارم الأخلاق.

 

فهذه نماذج عارضة تظهر عظمة علمائنا، وأنهم كانوا يحرصون على أن يتركوا لنا علمًا وأدبًا، فرحمة الله على مَن رحل وأطال الله عمر مَن بقِي، ورزَقنا حُسن الفَهم عنهم والانتفاع بعلمهم.




[1] هو الأستاذ الدكتور أحمد محرم الشيخ ناجي، أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر، شارك في التدريس في جامعة أم القرى، فقيه لغوي محدث بارع، غيب الله عنه نعمة البصر، وأعطاه نعمة البصيرة، ففاق كثيرًا من المبصرين بعلمه وفضله، له مؤلفات في المناهج والحديث التحليلي والموضوعى، توفِّي رحمه الله في شهر المحرم 1440 رحمه الله.

[2] الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو موسى أستاذ البلاغة والنقد، شيخ البلاغيين، له مؤلفات وشروح ودروس، وهو مَن هو علمًا وفضلًا، حفظه الله وأطال عمره.


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook