من نماذج أسلوب الحكمة في الدعوة

الكاتب: المدير -
من نماذج أسلوب الحكمة في الدعوة
"من نماذج أسلوب الحكمة في الدعوة

 

أ- البدء بالأولويات والمهمات في عرض الدعوة:

وذلك بأن تبدأ الداعية بتقديم الأهم والأولى في العرض على غيره، فذلك أدعى لحدوث الأثر المرجو، ولقبول الطالبات للحق، كما يستلزم أن تجزئ الدعوة للطالبات، فلا تقدمها لهنّ جملة واحدة فتثقل عليهنّ،[1] مع فهم الداعية لشمولية الدعوة الإسلامية، لتعرف وتقدّر تماما بماذا تبدأ في دعوتها، كما ينبغي على المعلمة الداعية فهم طبيعة الطالبات وثقافتهنّ، فتبدأ في تقديم ما يمس قلوبهنّ، ويرهف أسماعهنّ لدعوتها.

 

وتقتضي الحكمة من الداعية مراعاة الأولويات في العديد من المجالات الدعوية، منها عرض الأهم في موضوعات الدعوة، وهذا يتجلى في وصية النبي - صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن، فقدَّم الأمور المهمة في الدعوة، قال - صلى الله عليه وسلم: (( إنك ستأتي قوما من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم...الحديث))[2]، قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-: (بدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب، لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن النفرة)[3]، فعلى الداعية ترتيب الأمور التي ينبغي البدء بها تبعا لأهميتها، ولمناسبتها للظرف الواقع وقت عرض الدعوة، ووضع المسائل في موضعها الصحيح، الذي تقتضيه الحكمة النابعة من التقيد بالكتاب والسنة، فلا تضخم القضايا الفرعية، وتغفل في ذات الوقت عن القضايا الأساسية، أو تقدم المهم على الأهم، أو تدعو إلى المندوب قبل الواجب، فيسبب بذلك تزاحم المصالح أو تعارضها، وهذا يحتاج إلى نظرة عميقة متكاملة للأمور، فتتمكن من وضع كل شيء في موضعه المناسب، وعرض كل قضية في وقتها الملائم[4].

 

ويتأكد في حق الداعية مراعاة الأولويات فيما يتعلق بأحوال المدعوات، حيث تبدأ بدعوة الطالبات القريبات منها، ومن كانت معروفة بحب الخير والإقبال عليه، ثم تتوسع الداعية في دعوتها لتشمل أكبر عدد من طالبات مدرستها.

 

ب- التدرج في دعوة الطالبات:

فقد جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم بالشريعة السمحة الموافقة للطبيعة البشرية، المراعية للفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومن مظاهر سماحة الإسلام، التدرج في كثير مما شرع لهم، سواء فيما فرض عليهم، أو فيما نهاهم عنه، أو في تبليغهم الدعوة، فكانت الدعوة الإسلامية تنتقل بالناس من مرحلة إلى مرحلة أخرى متقدمة في الدين، حتى تستقر في قلوبهم، وتستجيب نفوسهم، للبلوغ إلى الغاية المنشودة، حتى اكتمل الدين[5]، وتمت الحجة.

 

ومن الحكمة المطلوبة من الداعية؛ التمييز بين التدرج في الدعوة إلى الله، وبين التدرج في أمور الشريعة، لأن الأول منهج نبوي محمود ومجال لاجتهاد الداعية، ما دام ضمن طرق مشروعة، أما الثاني فقد استقرت الأحكام وكمل الدين، ومصلحة الدعوة الحقيقية، في استقامتها على المنهج الذي تركه لها الرسول - صلى الله عليه وسلم دون انحراف[6]، وفي تبليغ أحكام الله التي شرعها، ومما يعين الداعية في نجاح دعوتها استخدام أسلوب التدرج من خلال فهم المحاور الآتية:

المحور الأول: فقه حكمة التدرج في أحكام الدين:

فإن الله تعالى لم يشأ أن ينزل التشريع جملة واحدة، بل (كان نزول القرآن نجوما في عشرين سنة، ووردت الأحكام التكليفية فيها شيئا فشيئا، ولم تنزل دفعة واحدة، وذلك لئلا تنفر عنها النفوس دفعة واحدة)[7]، وخاصة في القضايا التي ضربت جذورها في أعماق النفوس، وكانت من أعراف الجاهلية، كشرب الخمر والزنا والتعامل بالربا، فهذه أمور أدمن الناس عليها، ولا سبيل للانفكاك عنها في لحظة عابرة، وفي خطوة واحدة، بل عالجها بتأنّ وتمهل، وقد عبّرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن ذلك أحسن تعبير، فقالت: (إنما نزل أول ما نزل منه- أي القرآن- سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل لا تزنوا، لقالوا لا ندع الزنا أبدا..)[8]، وذلك لتخلص القلوب لله أولا، وتعلن عبوديتها له وحده، فتقبل عن قناعة وحب لالتزام شرعه تعالى، وتنكر كل أمر يفتنهم عن صراطه المستقيم.

 

المحور الثاني: التدرج في أسلوب الدعوة:

فمن المهم التدرج في طرق تبليغ الدعوة وعرض الأولويات المهمة فيها، وذلك بتقديم ما هو أصل على ما هو فرع، والتدرج في الأمر من السهل إلى الصعب، ومن الصعب إلى الأصعب، ومن الهدف القريب إلى الهدف البعيد.. وهكذا، فإن التكاليف ثقيلة والطريق طويل، ولو أرادت قطعه في نفس واحد، مرة واحدة، لكان الانقطاع، وبالتالي القعود أو الفتور والتواني[9].

 

ومن الأمور التي تتدرج فيها الداعية: الاحتساب، فتبدأ بالإنكار بالأسهل، فإن لم ينفع انتقلت إلى الأصعب، قال الإمام القرطبي -رحمه الله-: (فالمنكر إذا أمكنت إزالته باللسان للناهي فليفعله، وإن لم يمكنه إلا بالعقوبة أو بالقتل فليفعل، فإن زال بدون القتل لم يجز القتل)[10].

 

المحور الثالث: التدرج في الارتقاء بالطالبات وتغيير واقعهنّ:

يُعد التدرج في علاج ما تأصل في نفوس الطالبات من العادات السيئة والأمور المنكرة؛ أسلوبا فعّالا في تزكية النفوس، الأمر الذي يتطلب من الداعية استخدام أسلوب التدرج من الأخف الأدنى إلى الأشد والأعلى، وهذا يعني التدرج في استبدال الصورة بالانتقال من الأدنى إلى الأعلى، فعلى الرغم من أن حركة الإسلام في إصلاح نفوس البشر تعتصم بالأنموذج الكلي، وتصر على أن الدين لا بد أن يؤخذ جملة واحدة، إلا أنه لبلوغ الكل لا بد من البدء بالجزء، فهي لا تؤمن ببعض وتكفر ببعض، بل تؤمن بالإسلام كله، ولكنها تحاول تطبيق ما تيسر منه[11].




[1] ينظر: الدعوة الإسلامية أصولها ووسائلها: د. أحمد غلوش ص 429.

[2] متفق عليه: سبق تخريجه ص 37.

[3] فتح الباري 3/ 359.

[4] ينظر: منهج أهل السنة والجماعة في قضية التغيير: د. السيد محمد نوح ص 61.

[5] التدرج بين التشريع والدعوة: د. يوسف محيي الدين أبو هلالة ص 62، بحث منشور ضمن بحوث دراسات في الدعوة والإعلام، إصدار كلية الدعوة والإعلام بالرياض، العدد الأول، 1412هـ.

[6] ينظر: المرجع السابق ص 71.

[7] الموافقات 2/ 93.

[8] صحيح البخاري، سبق تخريجه ص 137، وللاستفادة ينظر: تاريخ الفقه الإسلامي: د. عمر الأشقر ص 48-52.

[9] ينظر: منهج أهل السنة والجماعة في قضية التغيير: د. السيد محمد نوح ص 86.

[10] الجامع لأحكام القرآن 4/ 49.

[11] ينظر: أساليب الدعوة الإسلامية المعاصرة: د. حمد بن ناصر العمار ص 589، مركز الدراسات والإعلام دار إشبيليا، الرياض، ط:3، 1418هـ/ 1998م.


"
شارك المقالة:
5 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook