من وسائل نصرة النبي صلى الله عليه وسلم

الكاتب: المدير -
من وسائل نصرة النبي صلى الله عليه وسلم
"من وسائل نصرة النبي صلى الله عليه وسلم

 

هناك هجمة شرسة على مواقع التواصل وفي بلاد المغرب من بعض الملاحدة على جناب رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، وما شأنهم إلا كمن أثار الغبار في وجه الشمس، وقد ذكَّرني ذلك بالدنمارك عندما أحرقت المصحف منذ ما يقرُب من عشرين عامًا، ثم انطلَق الدعاةُ لبيان شناعةِ جُرمهم، وجاء بعد ذلك سلسلة من التعديات على جناب النبي صلى الله عليه وسلم قام بها كثيرٌ من الأشقياء المجرمين، وقد تبنَّت الجهات الدعوية حيال ذلك شعار: انصروا نبيكم، وكانت مشاعرنا تهيج لذلك جدًّا، وكنا نسكُب العَبرات غيرةً على جناب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد شعرنا بالعجز.

 

فكان التحدي الذي يلازمني وقتها، كيف ننتصر بوصفنا أفرادًا لجناب النبوة؟

فيتردد صوت في نفسي: من أنت؟ وما سلطتُك؟ وإلى أين يصل صوتك؟

وبقيت في هذه النار لا حيلةَ لي إلا حيلة العاجز، البكاء قهرًا، أو الإكثار من الصلاة عليه.

 

وسبحان الله، في الوقت ذاته الذي ثارت فيه مشاعرنا، طُلِب منا تقديم خطة الأنشطة المدرسية السنوية، فلا أعرف كيف وُفِّقت لأن أضع أول برامج السنة عنوان (الدفاع عن جناب النبي صلى الله عليه وسلم)، في حقيقة الأمر أنا وضعت العنوان ولم يكن في عقلي أي خطة لآلية تنفيذ هذا النشاط، ولا التعريف به، ولا أهدافه، ولا أعرف كيف أجرى الله على قلمي هذا العنوان.

 

عدتُ من عملي وذهني مشغول بتكوين تصوُّر لتنفيذ هذا النشاط، فالمعتاد أن نُنجز عملًا دراميًّا يجسِّد الفكرة أو العنوان المختار، لم يُعجبني هذا الأمر، فهو وجهٌ آخر للعجز، ويَكفيه لقاء صباحي، ما زالت نفسي تَحتاج إلى تقديم الأعظم من ذلك.

 

قمتُ إلى مكتبتي لأنظُر في عناوين الكتب، علَّني أجد ما ينفع، فوجدتُ سيرة ابن هشام وإلى جوارها مختصر صحيح مسلم!

أخرجتُهما معًا ثلاثة مجلدات، وبقيت أتصفح، حتى شرح الله صدري لمختصر صحيح مسلم، ووضعتُ آلية النشاط، وهي حفظ أربعين حديثًا، وتحديد جوائز قيِّمة لمن تحفظ من الطالبات!

 

اخترت الأربعين حديثًا، ولم يكن هناك إنترنت للنسخ واللصق، فقمتُ - بمساعدة بعض الزميلات - بكتابتها بخط اليد، وتصويرها، واستقبال المشاركات من الطالبات، وإعطائهنَّ النُّسخ، ثم متابعة التسميع.

 

وعلى غير المتوقع، أقبل بنات المرحلة الثانوية غالبهنَّ على المسابقة، فكلفتُ كل معلمة بأن تسمِّع للمشتركات من صفها، ثم أقمنا اختبارًا نهائيًّا للتسميع، وإذا بعَقبتين كبيرتين في طريقي:

الأولى: أن جميع البنات حافظات عن ظهر قلب، ويَصعُب التمييز بينهنَّ، فقد كنَّ يَحفَظنَ حبًّا ودفاعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس للفوز في مسابقة، وكلما اختبرتُ إحداهنَّ أزهَر قلبي وانتشت روحي، فأختار أخرى أعرِف أن مستواها التحصيلي أقل، فيُذهلني إتقانها، فتزداد الأزمة ويزداد الفرح، فجميعهنَّ فائزات!

 

ثم قلت لهنَّ: سأُعيد الاختبار الأسبوع القادم والتسميع بالسند؛ حتى أستطيع التمييز بينكنَّ، وبالفعل سمَّعت لهنَّ الأربعين حديثًا بالسند، وجعلتهنَّ على مستويين بحسب حفظ السند من عدمه.

 

العقبة الثانية: حدَّدنا موعدًا لتكريمهنَّ، ثم ذهبت إلى مديرة المدرسة لمناقشة الميزانية، وتحديد قيمة الجوائز، فتأتي العقبة الثانية وتقول لي: ليس لدي ميزانية أنشطة، ولا أستطيع شراء جوائز! فقلت لها: وأنا لن أتنازل عن جائزة تليق بحماس الطالبات وحرصهنَّ! عدتً إلى قسمي، راجعتُ مصروفاتي، وجدتُ معي مبلغًا لا بأس به، عزمتُ على التبرع به كله، وتكريم الطالبات على نفقتي، شعرتْ بي أقرب زميلاتي إليَّ في ذلك الوقت، فشاركت معي بما استطاعت، ثم أبلغت أُختها في قسم الرياضيات بالأمر، فدفعت هي الأخرى، ورئيسة قسمها شاركت، وأسهَم بعد ذلك من أراد، وكانت فرحة الجميع كبيرة.

 

اشترينا لكل طالبة درعًا فخمًا رائعًا، عليه كلمات تُبهجهنَّ، واعتمدت المدرسة لهنَّ شهادات بالحفظ.

 

ولم يكن هذا هو ما يُكمل سعادتي من النشاط! فسألت كلَّ طالبة في الاختبار النهائي: هل غيَّر حِفظُك للأحاديث شيئًا في منهج حياتك؟ كانت إجابتهنَّ بردًا وسلامًا على قلبي، وَدِدْتُ والله لو كانت هداياهنَّ ذهبًا!

 

قالت إحداهن: دخل أخي بدشاديش (جلابيب) جديدة أتى بها لتوِّه من عند الحائك، وعندما رأيتهنَّ عليه، قلت له: حديث رسولنا صلى الله عليه وسلم: عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَال: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ»؛ (صحيح مسلم).

 

ووضَّحت له أنه ما ضرَّه شيءٌ لو قصَّرها قليلًا، فعاد بهم لتوِّه وقصَّرهم بما لا يجعله مُسبلًا، وجعله ذلك يلتزم بالسنة تدريجيًّا، فقدَّر الله له الالتزام بسمت المسلم وسُنة النبي صلى الله عليه وسلم تدريجيًّا، ثم انخرط في طلب العلم بسبب هذا الحديث.

 

وقالت الأخرى:

خالتي اشترت براد للمياه، وجعلته على قارعة الطريق صدقةً عنها، وآخر وضعته في المسجد صدقة عن جدتي رحمها الله، عندما سمعتْ مني حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصحابي الجليل سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله، إن أمي ماتت، أفأتصدَّق عنها؟ قال: نعم، قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء.

 

وقالت ثالثة: عاهدتُ الله ألا أترك ركعتي الضحى وركعة من الليل ما حييتُ، بعدما حفِظت عن أبِي هريرةَ رضي الله عنه أنه قال: «أَوْصَانِي خَلِيلِي بثَلاثٍ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنامَ».

 

والكثير الكثير مما هذَّب سلوكهنَّ وسلوك أُسرهنَّ؛ مما أزهر به قلبي، وأدمعت له عيني، وفي العام الذي يليه كررتُ النشاط نفسه، لكن بحفظ (سورة محمد).

 

المبهج في الأمر أن دموعهنَّ كانت تسبق ألسنتهنَّ في الإجابة عما تغيَّر منهجُ حياتهنَّ بعد حفظ الحديث،

 

فالدفاع عن رسول الله هدف ممتد ما دام الحدثان، ويجب أن نهتم به في مناهجنا الحياتية والدراسية، وتربية الجيل على حبه وحبِّ سنته، والفخر بأنه ينتمي إلى هذه الأمة العظيمة، وأن هذا الرجل العظيم سيد ولد آدم هو نبراسنا وقدوتنا، نُجلُّه ونُعظِّمُه ونَفديه بأرواحنا وأولادنا وأموالنا حبًّا لا قهرًا، وعزةً لا ضَعفًا، وإيثارًا لا طمعًا.

 

والعبء كل العبء على الوالدين والمعلم، حبِّبوا الله ورسوله لقلوب أولادكم، فلا كسب يعادل صحة العقيدة التي أمرنا أن نحيا بها ولها، يجب أن نحقِّق في كل نفس قوله تعالى: ? مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ? [الفتح: 29].


"
شارك المقالة:
6 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook