مهارات التدريب الدعوي

الكاتب: المدير -
مهارات التدريب الدعوي
"مهارات التدريب الدعوي

 

أسباب اختيار الموضوع:

? اخترت هذا الموضوع؛ لِما للدعوة إلى الله من أهمية عظيمة في حياة الفرد المسلم عمومًا والدعاة خصوصًا؛ فبها يستمر الدين في البقاء، وبها يتصل الناس بخالقهم، فيعرفونه حق المعرفة، ويعبدونه حق عبادته.

 

? لِما يتطلبه الواقع المعاصر من مواكبة ومسايرة له؛ حتى تلائم الدعوة اليوم إنسان اليوم، وحتى تؤكد أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وليس مقتصرًا على القرون الأولى.

 

? أيضًا لنعيد بعث الدعوة إلى الله في النفوس بلباس عصري؛ فيكون لها الأثر الجيد، وتؤتي أكلها تجاه المدعوين أو المتلقين، فمن المعلوم أن الإنسان ابن بيئته، ولا بد من مخاطبة الناس بلسان حالهم وبما يفقهون.

 

التدريب الدعوي:

عندما أتحدث عن التدريب الدعوي فهذا يعني: أن هناك دمجًا بين شقين أو مجالين؛ دمجًا بين الدعوة، وبين التدريب.

 

فبالنسبة للدعوة نعلم أنها بدأت مع بَدء الإسلام، ولا تزال تسير معه جنبًا إلى جنب كوجهين لعملة واحدة، ولا تزال قائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 

وعندما أتحدث عن الدعوة أُفَضِّل تبنيَ مفهومِ الدعوة إلى الله، الذي هو أشمل في نظري من مصطلح الدعوة إلى الإسلام، الذي يوحي بأنها موجهة لغير المسلمين، أما الدعوة إلى الله فهي تشمل كل البشر:

? دعوة للمسلمين: ليؤوبوا وينيبوا إلى الله، ولا يحيدوا عن طريقه القويم الذي بيَّنه لهم.

? ودعوة لغير المسلمين: ليعرفوا خالقهم، ويوحدوه، ويعبدوه حق عبادته.

 

أما التدريب فهو حديث النشأة؛ وهو يُعنَى ويعمل على إكساب المرء مهارات وتقنيات وسلوكيات معينة تختلف طبعًا باختلاف الموضوع المتناول.

 

وهو يختلف عن التعليم أو التدريس، الذي يقتصر غالبًا على تلقي وتلقين المعلومات والمعارف؛ فكأني بالتدريب هو الجانب العملي والتطبيقي للتعليم الذي يمثل الجانب النظري.

 

ولذلك ومواكبة للعصر، وتجديدًا لأساليب ووسائل الدعوة - فإنه من المهم في رأيي الدمج بينهما وبين التدريب؛ لنحصل على ما سُمِّيَ بالتدريب الدعوي، الذي هو بمثابة بعث روح جديدة للدعوة، ولكنه طبعًا لا يمس أصولها ومصادرها المستوحاة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يستخدم وسائل غير مشروعة من الدين؛ فالغاية لا تبرر الوسيلة في ديننا.

 

وربما خلال بحثي، لم أجد ممن ألَّف في هذا المجال وهذا العنوان تحديدًا وباستفاضة سوى القليل النادر جدًّا؛ مثل: الدكتور جمال الهميلي في مجال التأليف، والدكتور علي الشويش الذي قدم دورات في التدريب الدعوي، أما باقي المؤلفات تتطرق إلى مفاهيم أوسع؛ مثل: العمل الدعوي، ووسائل الدعوة الحديثة، وتجديد الخطاب الدعوي، وغيرها.

 

والداعي - الذي هو الركن الأهم من أركان الدعوة - يجب أن يكون متقنًا لعدة أساليب ومهارات؛ كالإلقاء والخطابة، والتخطيط ووضع الأهداف، والقيادة والحوار، والإنصات والإقناع، والتفاوض والتواصل، وترتيب الأولويات، وحتى أساليب القراءة والبحث، والتقييم والتقويم.

 

وكما لاحظتم ربما أن كل ما تحدثت عنه الآن يتناوله التدريب باستفاضة، ونتلقى فيه دورات كثيرة ومفيدة، فمن أين للداعية اليوم أن يتعلم تلك المهارات ليطبقها مع المدعوين خلال دعوته لهم، إن لم يخُضْ غمار التدريب؟

 

فأغلب المؤسسات التعليمية - وعلى رأسها الجامعات - تتوقف عند جانب التعلم كما قلت، وهو نظري بحت، حتى إن بعض طلاب الدعوة يتخرج أحدهم وربما لا يستطيع أن يلقيَ كلمة أمام بضعة أشخاص؛ لذلك لو تبنت الجامعات عمومًا والمتخصصة في الدعوة تحديدًا موضوعَ التدريب الدعوي - لحصَّلت من ذلك الخير الكثير ولخرَّجت طلبة أكفاء، قد جمعوا بين التعليم والتدريب، وبين التنظير والتطبيق، جاهزين للعمل الميداني.

 

والدمج بين الدعوة والتدريب يكون بقولبة مضامين الدعوة وفق أساليب ومهارات ووسائل التدريب، يقتضيه واقع الحال والمآل، وكذلك كان يفعل المصطفى عليه الصلاة والسلام.

 

? تعرفون قصة الصحابة لما قالوا: ((بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ يسأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة، ويتعجب الصحابة من السائل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ويصدقه، حتى قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)).

 

فكأنه أسلوب التمثيل أو المحاكاة المعمول به في التدريب، وهل تعتقدون أن تعليمًا كهذا كان سيُنسى بسهولة من أذهان الصحابة؟ بل هو الأكثر رسوخًا والأشد أثرًا.

 

? أيضًا حديث: ((أتدرون من المفلس؟)) كأنه جلسة عصف ذهني أو مناقشة، فيبدأ الكل يفكر من المفلس، سيظن أحدهم أنه سؤال سهل، ويعطي الإجابة المعروفة: ((من لا درهم له ولا دينار))، وسيتساءل آخر: إنه سؤال سهل؛ ما يعني أن الجواب حتمًا غير ما نظن، أو هناك في الأمر ما فيه، وقد يتعجب آخر لسؤال كهذا منتظرًا ما المقصود من ورائه، فبربكم جلسة كهذه: هل كان سيُنسى ما طرح فيها، أو هل كان أحدهم سيملها، أو ينشغل عنها؟

 

? وعندنا أيضًا أسلوب تبادل الأدوار؛ ففي حديث الشاب الراغب بالزنا كيف أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل لين، وأخذ يغير تفكيره، ويضعه محل الطرف الآخر المتضرر من هذا الفعل: ((أترضاه لأمك؟ أترضاه لأختك؟))، حتى أخرجه من دائرة الراغب فيه إلى الزاهد والصادِّ عنه.

 

? والتدريب بالممارسة والتقليد؛ لما صلى عليه الصلاة والسلام وقال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، ولما حج وقال: ((خذوا عني مناسككم)).

 

? والتدريب بالقصص وهو كثير، وناهيك عن مهارات الخطابة والاستماع، والحوار والإقناع، والتفاوض والتواصل مما تزخر به السنة والسيرة الشريفتان.

 

فإذًا أغلب أساليب ومهارات التدريب موجودة في الدعوة، وإن لم تعرف بمصطلحاتها اليوم، فكم سيكون من الرائع صياغتها في القالب التدريبي الحديث، وإسقاطها على واقعنا اليوم!

 

وفي ظل الصدود الواقع اليوم عن الدين لدى الكثيرين إلا من رحم ربك ستكون أروع وأبلغ تأثيرًا وجذبًا، خاصة إذا ربطت بالوسائل التدريبية الحديثة، فندرج فيها العروض التدريبية، والتقنية المعلوماتية، والإعلامية.

 

فأنا مثلًا لما أقدم دروسًا ومحاضرات في الدعوة مع بعض الجمعيات والمؤسسات، وحتى في حلق المساجد - كنت أحضر عرضًا تدريبيًّا متقنًا، عرض باوربوينت بما هو متعارف عليه في التدريب من عناوين وأفكار أساسية وفرعية فقط، وبعض الأسئلة أو التمرينات الخفيفة، وقصص وفيديوهات وصور، وآخذ معي أدواتي الخاصة: الحاسوب العارض الضوئي الداتاشو، القلم، مبدل الشرائح، المايك، حتى الكابلات اللازمة، وفي الحر أحتاط وآخذ معي مروحة تحسبًا؛ حتى أستطيع أن أقدم محاضرتي في جو مريح.

 

وأقدم درسًا في الدعوة بطريقة حديثة تكون أبلغ في التأثير والجذب وفي الرسوخ من مجرد الإلقاء الجاف، الذي قد يؤدي إلى العجز عن استيعاب المعلومات، أو حتى النعاس والنوم أثناء المحاضرة، وطبعًا هنا أنا لا أقلل من قيمة المحاضرات الكلاسيكية، ولا مجالس العلم والتلقي، ولكن واقعنا اليوم، وربما عصر السرعة والانفجار المعلوماتي، وهذا الزخم الذي يعيشه العالم - يحتم علينا الانتقاء والتفرد طبعًا والمواكبة فيما نقدمه.

 

وقد حاولت من خلال أكاديمية المتحدثين التحفيزيين الخاصة بي بالجزائر كفكرة غير مسبوقة عندنا - حاولت أن أقيم دورات لإعداد المدرب الداعية والمدربة الداعية، وقد لاقت ترحيبًا وإقبالًا من طرف المدربين والمختصين، ومن طرف المتدربين على حد سواء، وقد لاحظت من خلال ذلك أن المدرب المحاضر أدعى وأقدر على التأثير من المحاضر غير المدرب.

 

وكما قلت: التدريب الدعوي موضوع ومصطلح حديث النشأة، لا تزال الطريق طويلة أمامه، ولا يزال يحتاج إلى مزيد من التأصيل والتقعيد له لتصبح معالمه واضحة جلية، وهذا يتطلب حشد الجهود ولمَّ الصفوف بين الدعاة والمدربين؛ لوضع علم التدريب الدعوي:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارمُ
وتعظم في عين الصغير صغارها
وتصغر في عين العظيم العظائمُ

 

رغم أن الأمر طبعًا لا يخلو من بعض المصاعب والعراقيل، ولكن هذا ديدن الحياة وناموسها:

وما نيل المطالب بالتمني *** ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

 

والأمر حتمًا يستحق؛ ولعل أبرز العراقيل التي قد تواجهنا في ذلك:

? ضعف القناعة: فلا يزال البعض غير مقتنع بالتدريب وجدواه أساسًا، فكيف بالتدريب الدعوي؟ ويقولون العبارة المعروفة بيع كلام، ولكن حتى الرسل والأنبياء عليهم السلام كانت رسالاتهم عبارة عن كلام، وإنما العبرة والمقياس بالجودة والتأثير.

 

? قلة الوعي: فلا زلنا نفتقد إلى الوعي بأن التدريب الدعوي أصبح ضرورة ملحة تفرضها ضرورة التجديد لمواكبة كل عصر.

 

? الندرة: فحتى وإن أصبح التدريب بصفة عامة أكثر انتشارًا في العالم العربي والإسلامي، فيظل في جانبه الدعوي نادرًا جدًّا من حيث المختصين والقواعد، والمصادر والمراجع.

 

? غياب التمويل: والذي يكاد يكون منعدمًا لمثل هذا المشروع، ومن ثَمَّ تكون انطلاقته وانتشاره بطيئًا.

 

? انعدام الحقيبة التدريبية: حيث يفتقر إلى الحقيبة التدريبية المتكاملة للتدريب الدعوي، وتبقى مجرد اجتهادات جزئية متناثرة، ولعل ذلك ناتج عن كل الأسباب السابقة التي ذكرتها.

 

وختامًا: أتمنى أن يتبنى المعنيون والمهتمون بالأمر فكرة التدريب الدعوي؛ لأنه كما قلت ضرورة معاصرة، ولما له من أثر في نشر الدعوة، ناهيك عن عظيم الأجر والنفع في الدنيا والآخرة.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook