مواعظ رمضانية لابن الجوزي (6)

الكاتب: المدير -
مواعظ رمضانية لابن الجوزي (6)
"مواعظ رمضانية لابن الجوزي (6)
توديع شهر رمضان

 

1- عباد الله:

إن شهر رمضان قد أذن برحيله وأخبر بتحويله، وهو راحل عنكم بأفعالكم، وقادم غدًا عليكم بأعمالكم، فيا ليت شعري ماذا أودعتموه وبأي الأعمال ودعتموه، أتراه يرحل عنكم حامدًا صنيعكم أو ذامًّا تضييعكم؟ أتراه يمضي شاكرًا لكم أو مستزريًا عملكم؟ فما كان أعظم بركة ساعاته، وما كان أحلا جميع طاعاته، وما كان أعظم بركة حافظه، وما كان أتم عمل مواعظه، شرُف قائمُه بأوفى غنيمة، وعُرف صائمُه بأصفى عزيمة، كانت لياليه ليالي عتق ومباهاة، وأسحاره أوقات خدمة ومناجاة، ونهاره زمان قربةٍ ومصافاة، وساعاته أحيان اجتهاد ومعاناة، تم به لصائمه الثواب والأجر، وتبدلت فيه لذة الوصل من الهجر، وأثمرت أغصان الكف عن الهوى بالحجر، واقتربت بركات ليله ببركات الفجر[1].

 

2- عباد الله:

إن شهر رمضان عزم على الرحيل وقد شال الخيام، فعليكم بالطاعة، فإنه يشهد لكم بما فعلتم حسب الجهد والاستطاعة، أو يشهد عليكم بما فعلتم من الذنوب والآثام، وتلك أخسر بضاعة.

 

3- فيا شهر رمضان عليك منا السلام والتحية والإكرام، يا حبيب الزاهدين، ويا قرة عين العابد?ن، نهارك صدقة وصيام، وليلُك قراءة وقيام، فعليك منَّا السلام.

 

4- السلام عليك يا شهر البركات، السلام عليك يا شهرًا تُغفر فيه السيئات، السلام عليك يا شهرًا تتضاعف فيه الحسنات، وتُقال فيه العثرات[2].

 

5- ويحك! ودع شهرك هذا بكثرة الاستغفار مِنَ التقصير، والعزم على دوام الطاعة والتشمير، فمَنْ فاته بركة هذا الشهر فقد فاته الخير الكثير، فيا خسارة مَنْ تخلف ويا تجارة مَنْ سبق[3].

 

6- عباد الله:

إن شهر رمضان قد انصرم وانمحق، وتشتت نظامه بعد أن كان اتسق، فكأنكم به قد رحل وانطلق، يشهد لمن أطاع وعلى مَنْ فسق، فأين الحزن لرحيله وأين الحرق؟ وقد أخبركم وشيكه بانطلاقه فأين الفرَق لفراقه وأين القلق؟

 

7- ما كان أشرف زمانه بين صومٍ وسهر، وما كان أصفى أحواله مِنْ آفات الكدر، وما كان أطيب المناجاة فيه بين وسط الليل والسَّحر، وما كان أرق القلوب عند اشتغالها بالآيات والسُّور، وما كان أضوأ لآلِئه في لياليه جوفَ الغسق!

 

8- فيا ليت شعري من الذي قام بواجباته وسُننه، ومن الذي تخلص مِنْ آفات الصوم وفتنه، ومن الذي اجتهد في عمارة زمنه، ومن الذي أخلص في سره وعلنه، ومن الذي قرع فيه باب التوبة وطرق؟

 

9- فيا أيها المقبول هنيئا لك بثوابه تثوي به، وبشراك إذا أمَّنك الرب مِنْ عقابه، وطوبى لك حيث استخلصك لِبابه، وفخرًا لك حيث شغلك بكتابه، فاجتهد في بقية شهرك هذا قبل ذهابه، فرب مؤمل لقاء مثله ما قُدِّر له ولا اتفق.

 

10- ويا أيها المطرود في شهر السعادة، خيبة لك إذا سبقك السادة، ونجا المجتهدون وأنت أسير الوسادة، وانسلخ هذا الشهر عنك وما انسلخت عن قب?ح العادة، فأين تلهفك على الفوات وأين الحُرق؟

 

11- فيا إخواني:

قد دنا رحيل هذا الشهر وحان، فرُبَّ مؤمل لقاء مثله خانه الإمكان، فودعوه بالأسف والأحزان، واندبوا عليه بألسُن الأسى والأشجان، السلام عليك يا شهر رمضان، سلامَ محب أودى به القلق.

 

12- السلام عليك يا شهر ض?اء المساجد، السلام عليك يا شهر الذكر والمحامد، السلام عليك يا شهر زرع الحاصد، السلام عليك يا شهر المتعبد الزاهد، السلام عليك مِنْ قلبٍ لفراقك فاقد، السلام عليك مِنْ عينٍ لفراقك في أرق.

 

13- السلام عليك يا شهر المصاب?ح، السلام عليك يا شهر التراويح، السلام عليك يا شهر المتجر الربيح، السلام عليك يا شهر الغفران الصريح، السلام عليك يا شهر التَّبرِّي مِنْ كل فعلٍ قبيح، ويا أسفًا على ما اجتمع فيك من الخيرات واتسق.

 

14- فيا ليت شعري هل تعود أيامك علينا أم لا تعود، ويا ليتنا علمنا من المقبول منا ومن المطرود، ويا ليتنا تحققنا ما تشهد به علينا يوم الورود، ويا أسفا لتصرمك يا شهر السعود، ويا حزنا على صفاء القلوب وإخلاص السجود، السلام عليك مِنْ مودعٍ بتوديعك نطق.

 

15- فرحم الله امرءًا بادر خلاصه في باقي ساعاته، والتفت إلى وقته واجتهد في مراعاته، واستعد لسفره بإخلاص طاعاته، واعتذر في بقية شهره مِنْ سالف إضاعاته، واعتبر بمن أمَّل أن يرى مثل شهره هذا قبل وفاته، فتضرمتْ نارُ أجله في عُود أمله فاحترق.

 

16- أين من كان معكم في العام الماضي؟ أما قصدته سهامُ المنون القواضي؟ فخلا في لحده بأعماله المواضي، وكان زاده من جميع ماله الحنوط والخِرَق؟

 

17- رحل والله عن أوطانه وظعن، وأُزعج عن أهله والوطن، وبقي في لحده أسير الحزن، وما نفعه ما جمَع وما خَزَن، وتمنى أن يعاد ليزداد من الزاد ولن. ولقد هتف به هاتفُ الإنذار فما فطن، وأصمّه الهوى عن ناصحٍ قد نطق.

 

18- فتيقظ أيها الغافل وانظر بين يديك، واحذر أن يشهد شهر رمضان بالمعاصي عليك، وتزود لرحيلك وانصب الأخرى بين عينيك، واستعد للمنايا قبل أن تمد أيديها إليك، قبل أن يُوثقَ الأسيرُ ويشتد الزفيرُ ويجري العرق.

 

اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، واجبر كسرنا على فراق شهرنا هذا بغفرانك، وجد علينا بأوفى الحظوظ من رضوانك، وارزقنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين عصيانك، واجعل لنا نصيبا من جودك وامتنانك، ولا تقطعنا ما عودتنا من جزيل إحسانك. اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل محمد[4].




[1] مخطوط النور لوحة رقم 17.

[2] (2-4) النور: صـ 69، 70 (ت. الدكتور عبد الحكيم الأنيس).

[3] وداع رمضان صـ 92 (المطبعة الميمنية 1322هـ)

[4] (6-18) وداع رمضان: صـ 64-73 (ط3، ت. الدكتور عبد الحكيم الأنيس)


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook