موافقة القول للعمل

الكاتب: المدير -
موافقة القول للعمل
"موافقة القول للعمل

 

قال الله تعالى: ? وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ? [فصلت: 33]، فهذه الآية الكريمة تبين أنه ينبغي للداعي إلى الله تعالى أن يكون ذا عمل صالح ليكون داعية إلى الله بأفعاله كما دعا إليه بأقواله، فيجتمع له القول والعمل، ولا أحسن قولًا من هذا الصنف من الناس المبارك على نفسه وعلى الناس من حوله، الذي يدعو إلى الله تعالى بالأقوال الطيبة والأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة، والدفع بالتي هي أحسن والبعد عما يضاد ذلك وينقصه، وهكذا كان رسل الله - عليهم الصلاة والسلام - دعاة إلى الله بالأقوال والأعمال والسير الحسنة، فإنهم أئمة الناس في تحقيق ما يدعونهم إليه، وترك ما ينهونهم عنه.

 

ولذا ذكر الله تعالى عن نوح - عليه السلام - أنه قال لقومه: ? وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ? [يونس: 72]، وعن شعيب عليه السلام أنه قال: ? وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ? [هود: 88]، وعن محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: ? وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ? [الأنعام: 163].

 

وهكذا أتباعهم في الدعوة إلى الله على بصيرة في كل زمان ومكان يتبعون القول بالعمل الصالح، فلا بد للداعية من أن يعمل بعلمه، ويمتثل ما يدعو الناس إليه في سيرته وحياته، فلا يأتي من الأقوال والأعمال والأحوال الظاهرة والباطنة ما يخالف ما علمه واستيقن صوابه ودعى إليه، فإن العمل هو الثمرة الصحيحة للعلم، وهو من أسباب ثباته وحفظه وعدم نسيانه، ومن موجبات زيادته وعموم ودوام الانتفاع به، وإغراء الناس بقبوله والاستجابة للداعي بالفعل، وعلمٌ لا يقود إلى عمل؛ من حجةِ الله تعالى على ابن آدم، وصاحبه متشبه بإبليس واليهود وأضرابهم من شرار الخلق الذين علموا الحق وتعمدوا تركه استكبارًا وحسدًا وغمطًا لمن دعاهم إليه وسبقهم إليه، فباؤا بغضب الله ولعنته، وتوعدهم الله يوم القيامة بشديد العذاب وأليم العقاب بسبب تركهم العمل بعلمهم، وضرب الله لهم مثل السوء: ? كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ? [الجمعة: 5].

 

ومن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة العالم الذي لا يعمل بعلمه، وقد ثبت في الصحيحين عن زيد بن حارثة رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يُجاء بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: إي فلان، ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه»[1].

 

ولهذا عاب الله تعالى على الضُّلاَّل من بني إسرائيل وذمَّهُم، فقال: ? أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ? [البقرة: 44]، فعد سبحانه ترك العمل بالحق مع العلم به من نقص العقل، وحذَّر هذه الأمة وتوعدها أشد الوعيد على تناقض الأعمال والأقوال، فقال: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ?[الصف: 2، 3].

 

وأخبر سبحانه عن نبيه شعيب - عليه السلام - أنه قال لقومه: ? وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ? [هود: ??]، فنَّبه على أن العمل بالعلم - كما أنه شكر الله تعالى على أن هدى الله تعالى العبد إلى الحق وبصره به - فهو حق الله تعالى عليه يتقرب به إليه، ويصلح به قومه بدعوتهم إليه؛ وذلك لأن النفوس مجبولة غالبًا على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه، ولا يوافق فعله قوله.

 

فمن أهم المهمات وأوجب الواجبات أن يكون الدعاة إلى الله تعالى ذوي سيرة حسنة، وخلق فاضل، وعمل صالح؛ ليكونوا قدوة للناس في فعل ما يدعونهم إليه، وترك ما ينهونهم عنه، فإن القدوة العملية أقوى وأشد تأثيرًا في نشر العقائد والأخلاق والأحكام والآداب، وترك المنهيات في نفوس الناس من الدعوة القولية فقط؛ ذلك لأن القدوة العملية تجسيد وتطبيق عملي من الداعية لما يدعو إليه، تسهل مشاهدتها والتأثر بها والاقتداء بها بخلاف الأقوال والكتابات، فقد لا يستوعبها بعض السامعين والقارئين، وقد لا يدركون مقاصد المتكلم، وما يرمي إليه مع ما يعرض لها من النسيان السريع والخطأ في التطبيق.

 

ولذا جعل الله نبيه صلى الله عليه وسلم إمامًا تقتدي به الأمة في تحقيق عبادته، والبعد عن مخالفته، فقال: ? لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ? [الأحزاب: 21]، وقال تعالى: ? قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ? [آل عمران: 31]، وقال سبحانه: ? وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ? [الحشر: 7]، وقال سبحانه: ? فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ? [النور: 63].

 

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه والحاضرين معه على أن يقتدوا به ويتلقوا عنه في كل مناسبة، فكان يعلمهم الوضوء بفعله، ويقول: «من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه غُفِر له ما تقدم من ذنبه»[2]، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «صلوا كما رأيتموني أصلي»[3]، وقال عليه الصلاة والسلام في الحج: «خذوا عني مناسككم»[4]، وقال صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي فليس مني»[5].

 

ولقد كثرت النصوص التي تضمنت التوجيه إلى حسن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، والتأكيد على ملازمته، والحض عليه والثناء على من سبق إليه، فكان لذلك أثره الكبير في فهم الدين، وأداء العبادات، وتنفيذ الأحكام على الوجه المأثور عن سيد المرسلين، وتحقق الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة؛ في العبادات أو المعاملات أو الأخلاق وما سوى ذلك، ومن فضائل الصدر الأول من هذه الأمة أنهم حضروا التنزيل، وشاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يعمل بما يدعوهم إليه، وعملوا وهو صلى الله عليه وسلم يراهم، فما وافق ما جاء به أقرهم عليه، وما خالفه أنكره ونهاهم عنه، وبيَّن لهم وجه الصواب فيه، فعملوه على وفق الشرع قطعًا، فعلموا ما لم يعلم غيرهم، وفهموا ما لم يفهم سواهم، وفازوا بالاقتداء بخير قدوة، ونقلوا ذلك وبلغوه إلى الأمة قولًا وعملًا. فحازوا قصب السبق في كل باب من أبواب العلم و الخير، وخصلة من خصال البر.

 

والمقصود: أن الداعية إلى الله تعالى لا بد أن يحقق دعوته بالمتابعة الصادقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما جاء به وثبت عنه من أقواله وأفعاله وإقراره وأحواله، فإن الميزان الشرعي للأعمال الظاهرة هو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فما وافقها مع الإخلاص قُبل وأُثيب عليه صاحبه، وما خالفها رُدّ وحُرِم العامل ثوابه، وربما لحقه وزره ومثل أوزار من اتبعه؛ لكونه بدعة مخالفة للشرع، قال تعالى: ? وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ? [الحشر: 7]، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»[6]، وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد»[7]، وفيه أيضًا عنه صلى الله عليه وسلم قال: «وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»[8].

 

فليحرص الداعية إلى الله تعالى أن يكون قدوة صالحة للناس في طيب قوله، وعفة لسانه عن البذاء واللغو، وإتقان عبادته وحسن خلقه، وإحسانه من فضل ما آتاه الله، ولين جانبه، وكريم معاملته، وليسلم المسلمون من لسانه ويده، وليأمنوا على دمائهم وأموالهم ليأخذ الناس عنه، ويقبلوا ما يدعوهم إليه، وليكون له الأجر مرتين، أجر العمل وأجر القدوة، وفضل الله واسع، وليحذر من أن تصدر عنه أقوال غير محققة، أو أعمال تخالف ما يدعو إليه حتى لا يتعرض لوعيد الله، ولا يتسبب في صد عباد الله عن دينه وهداه.

 

وخلاصة ما سبق أن موافقة القول للعمل تتحقق بها منافع عظيمة:

الأولى: تحقيق عبادة الله تعالى التي هي فريضة الله على عباده قولًا وفعلًا وهذا في حق نفسه.

 

الثانية: بيان العلم بيانًا يزول به اللبس، ويتحقق به الفهم، ويسهل معه العمل.

 

الثالثة: حفظ العلم وكمال الانتفاع به؛ حيث يتلقى عنه بيانًا وفهمًا وتطبيقًا، وهذا في حق غيره، وهو مما يثمر تنوع الإحسان، وزيادة الإيمان، ورفعة المقام والدرجة في الدنيا والآخرة.

 

الرابعة: التشبه بمن أثنى الله عليهم من المرسلين والنبيين عليهم الصلاة والتسليم، وعباد الله الصالحين بحسن الدعوة والعمل الصالح، وهو من أسباب حبهم، والثبات على طريقتهم، وأن يلحق بهم ويحشر معهم، والبعد عن التشبه بمن ذمَّهم الله وغضب عليهم، وتوعّدهم بلعنته وشديد عذابه، وفي الحديث: «من تشبه بقوم فهو منهم»[9]، وفي رواية: «حشر معهم»[10].

 

الخامسة: أن العامل بعلمه وما يدعو إليه، يصبح من أئمة المتقين الذين يفوزون بمثل أجور من اقتدى بهم إلى يوم القيامة.

 

السادسة: أنه من أسباب العصمة من الضلالة والنجاة من الفتن، والسلامة من موجبات الخزي في الدنيا والآخرة.




[1] أخرجه البخاري برقم (3267)؛ ومسلم برقم (2989).

[2] أخرجه البخاري برقم (160)؛ ومسلم برقم (226).

[3] أخرجه البخاري برقم (631).

[4] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (5/ 125)، وأخرجه مسلم برقم (1297)، بلفظ: «لتأخذوا مناسككم».

[5] أخرجه البخاري برقم (5063)؛ ومسلم برقم (1401).

[6] أخرجه مسلم برقم (1718).

[7] أخرجه البخاري برقم (2697)؛ ومسلم برقم (1718).

[8] جزء من حديث أخرجه ابن ماجه برقم (46)، والجملة الثانية أخرجها مسلم برقم (867).

[9] أخرجه أحمد في المسند برقم (5093)، وأبو داود برقم (4031).

[10] أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (6/ 80).


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook