موانع قبول الحق والعمل به (1)

الكاتب: المدير -
موانع قبول الحق والعمل به (1)
"سلسلة موانع قبول الحق والعمل به (1)

 

الحمد لله عز وجل على آلائه الجُلَّى، مما تناءَى وتدانَى، وأشكره على ما خَصَّ من نِعم تتوالى ولا تتوانى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد عبدِ الله ورسوله أزكَى البرية أَرُومةً وجَنانًا، وأوثقِها حجةً وأبلغِها بيانًا، وعلى آله الذين لم يَثنوا دون المعالي عِنانًا، وصحبه بدور الحق الساطع عِيانًا، ومن اقتفى أثرهم بإحسان يرجو من المولى رحمةً ورضوانًا؛ أما بعد:

فما مِن شك أنَّ كل مَن أراد الحق واجتهَد في طلبه مِن جهة، ناله ولا بد؛ قال الله عز وجل: ? وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ? [العنكبوت: 69].




وتأمل معي اللام في قوله عز وجل: ? لَنَهْدِيَنَّهُمْ ? [العنكبوت: 69]، تعلم أنَّ هذا ليس وعدًا فحسب، بل هو قسَم منه عز وجل[1]؛ وما ذلك إلا لأنهم اجتهدوا في طلب الحق، فجازاهم الله عز وجل على حسن حرصهم وبحثهم، بتبصيرهم بالحق وإيصالهم إليه وتوفيقهم له، والجزاء من جنس العمل، وهذا أحد أوجُه التفسير في الآية، والذي ذكره جملة مِن المحققين مِن أهل التفسير.




ومِن المعلوم المتقرر مِن الأدلة الشرعية والأصول العلمية: أنَّ سنة الله الكونية جرَت على أنَّ المصارَعة بين الحق والباطل شأن قديم، وهي مِن النواميس التي جُبِلَ عليها النظام البشري، كما أنَّ كل مَن سلك هذا السبيل - أعني المجاهدةَ - للوصول إلى الحق، لا بد مِن أنْ تعتريَه الصعاب، وتقف حائلًا بينه وبين ما يريده جملةٌ مِن العقبات الكؤود، التي تمنعه وتحول بينه وبين بلوغه الحق.

 

أقسام الحق:

يقول شيخ الإسلام: أصل الفطرة التي فطر الناس عليها إذا سلِمت مِن الفساد، إذا رأت الحق اتبعته وأحبَّتْه؛ إذ الحق نوعان:

حق موجود، فالواجب معرفته والصدق في الإخبار عنه، وضد ذلك الجهل والكذب.

وحق مقصود، وهو النافع للإنسان، فالواجب إرادته والعمل به، وضد ذلك إرادة الباطل واتباعه[2].

 

ومِن هنا أحببتُ أنْ أجمع جملةً مِن هذه الموانع التي يمكن أنْ تعترض الطريق على طلاب الحق وتمنعهم مِن الوصول إليه، أو حتى قبوله، وكذا الموانع التي تشكل عقبات جسيمة منيعة، تمنع مِن قبول الحق والعمل به، وترك الباطل والإعراض عنه، فتأملها معي؛ فهي جديرة بالتأمل ونافعة بإذن الله عز وجل.

 

تحذير:

وقد ذكرتها لأمرين:

الأول: مِن باب قول حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر؛ مخافة أنْ يدركني[3].




والثاني: حتى نحذِّر غيرنا منها، والأمر هنا كما قال أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه)).

 

وقبل هذا ينبغي علينا أنْ نحذر مِن أنْ نكون ممن وَصَمَهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيما روته عائشة رضي الله عنها، حين قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أبغض الرجال إلى الله تعالى الألدُّ[4] الخصم))[5].




قال أبو عبيد: الألدُّ: الذي لا يقبل الحق ويدَّعي الباطل، قال الله تعالى: ? وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ? [البقرة:204][6].

 

وفي السؤالات المروية عن نافع بن الأزرق، لابن عباس رضي الله عنهما[7]: أنه سأله عن قوله عز وجل: ? وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ? [البقرة:204].




فقال ابن عباس رضي الله عنهما: الجدِل المُخاصِم في الباطل.

قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟.




قال ابن عباس رضي الله عنهما: نعم؛ أما سمعتَ قول مهلهل:

إنَّ تحت الأحجارِ حزْمًا وَجُودًا ??? وخصيمًا أَلَدَّ ذا مِغْلَاقِ[8].

 

وهو إنما وُصِمَ بهذا؛ لأنه - والله أعلم - كلما احتُجَّ عليه بحجة، أو بُيِّنَ له الحق فيها وظهرت المحجة، أخذ يعترض عليها بشُبه واهية، وسَفْسَطَةٍ ركيكة، لا تُسمِن ولا تغني من جوع؛ فهو أعوج المقال، سيئ الفعال، يكذب ويَزْوَرُّ عن الحق ولا يستقيم معه بحال، على أنه قد يكون لسان بعضهم أحلى من العسل، لكن قلوبهم أمرَّ من الصَّبِر، قد لبسوا للناس مُسُوك الضأن من اللين، ولكنهم يجترُّون الدنيا بالدين.

وأَلَدَّ ذِي حَنَقٍ عليَّ كَأَنَّما ??? تَغْلِي حَرَارَةُ صَدْرِه في مِرْجَلِ

 

فنعوذ بالله من هذا الحال، وسوء المآل، وأسأل الله أنْ يقيَني والقارئ الكريم وجميع المسلمين شر هذا المسلك المقيت، الذي يعمي القلب ويفتح باب اتباع الهوى؛ فينحرف العبد به عن الصراط المستقيم، ويميل إلى الباطل الذميم.

 

الأسباب المانعة من قبول الحق والعمل به:

وهنا نبلغ المقصود، ونصل إلى ما أردنا بيانه من موانع قبول الحق، وبالتالي الأخذ به، وهي - أي الموانع - كثيرة ومتنوعة، ولذلك رأيتُ أنْ أذكرها في جملة مِن السلاسل والحلقات، وأشير إلى كل واحد منها في حلقة مستقلة، فأستعين بالله عز وجل وأقول:

المانع الأول: الجهل به:

يقول ابن القيم رحمه الله: وهذا السبب هو الغالب على أكثر النفوس[9].




يقول الله عز وجل: ? بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ? [يونس: 39]؛ فتأمل كيف أخبر الله عز وجل أنهم كذَّبوا بما لم يحيطوا بعلمه مِن وعيد الله عز وجل لهم بالعذاب - على أحد أوجه التفسير - ولمَّا يأتهم بعدُ ما يؤول إليه الوعيد، ولو أنهم رأوا العذاب ما كذَّبوا، فكان جهلهم - كما ترى - عقبةً كؤودًا أمام بلوغ قلوبهم للحق وقبولهم له، ودفَعَهم هذا الجهلُ للتكذيب.




وحتى نتصور معًا عِظَم مصيبة الجهل وحيلولته دون بلوغ الحق، ومِن ثَمَّ قبوله والعمل به بعد ذلك، فلنتأمل معًا كيف شرع الله عز وجل بقوله: ? بَلْ ? [يونس: 39] التي هي في مِثْل هذا المقام للإضراب الانتقالي؛ ليبين كُنْهَ تكذيبهم وحقيقته المبني على الجهل، وأنه مِن أعجب أنواع التكذيب؛ إذ هو لا يستند بحال إلى شيء، بل مما يزيد الأمرَ خطورة - ولا أقول: غرابة! - أنَّ حالهم في المبادرة بالتكذيب - مع الجهل - قبل التأمل، أعجب بكثير مِن أصل التكذيب؛ وذلك أنهم بادروا إلى التكذيب دون نظر في أدلة صحته - المشار إليها - ومدى قربه مِن الحق أو بعده عنه! فنعوذ بالله سبحانه كيف يصنع الجهل بأهله؟!

 

ومما يدل على ذلك - أيضًا - قول الله عز وجل: ? وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ? [الأحقاف: 11].

 

والمعنى: أنهم لما لم يهتدوا بالقرآن - على أحد أوجه التفسير في الآية - كما اهتدى به أهل الإيمان؛ والمانع هو جهلهم، قالوا عنه: إنه كذب متقادم، مأثور عن الناس الأقدمين، فينتقصون القرآن بهذا، وهو على نحو قول من قال: ? أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ? [الأنعام: 25]، فقدحوا فيه بأنه كذب، مع أنه الحق الذي لا شك فيه، ولا امتراء يعتريه، ولا سبب لذلك إلا جهلُهم، وعدم اهتدائهم للحق بسببه.

 

وهذه المقولة في الحقيقة منهم شِنْشِنَةٌ نعرِفُها مِن أَخْزَمَ[10]! ناشئة عن جهل مركب، كما أنها شنشنة قديمة، وسجية متأصِّلة فيهم، ومعروفة في أسلافهم مع كل مَن جاءهم بالحق، وهي شنشنةُ مَن لا يجد حجَّة، فيعمد إلى التشغيب، واختلاقه بارد الأعذار، فيتعاطون مع الأمور - التي فيها خلاصهم ونجاتهم - بجهل؛ ليصل بهم في نهاية المطاف إلى الجهل، ولا تدري ? أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ? [الذاريات: 53]. وقديمًا قيل: من جهل شيئًا عاداه.

 

وقد قيل للحسين بن الفضل رحمه الله: هل تجد في القرآن: من جهل شيئًا عاداه؟!




قال: نعم، في موضعين: قوله عز وجل: ? بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ? [يونس: 39]، وقوله عز وجل: ? وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ? [الأحقاف: 11][11].

 

وبهذا نختم هذه الحلقة الأولى من سلسلة موانع قبول الحق والعمل به، وقد وقفنا فيها مع المانع الأول، وهو الجهل، وسنقف بإذن الله عز وجل في الحلقة الثانية من هذه السلسلة مع المانع الثاني، وهو الحسد.




وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.




[1] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (6/ 163).

[2] مجموع الفتاوى (15/ 241).

[3] أخرجه البخاري رقم: (3411)، ومسلم رقم: (1847).

[4] يقال: رجل أَلَدُّ، وامرأة لَدَّاءُ، والجمع لُدٌّ، فهم أهل لَدَد، وقد لَدِدْتَ - بكسر الدال - تَلَدُّ - بالفتح - لَدَدًا؛ أي: صرت ألد. ولَدَدْتُه - بفتح الدال - أَلُدُّهُ - بضمها - إذا جادلتَه فغلبتَه. والألد: مشتق من اللدِيدَين، وهما صفحتا العنق؛ أي: في أي جانب أخذ من الخصومة غلب؛ تفسير القرطبي (3/ 16). وانظر: القاموس المحيط (ص: 405)، ولسان العرب (3/ 390)، والزاهر في معاني كلمات الناس(2/ 319) لأبي بكر الأنباري.

[5] أخرجه البخاري رقم: (4251)، وفي لفظ: رقم: (2325): إن، ومسلم رقم: (2668).

[6] معالم التنزيل (5/ 258)؛ للبغوي، والكشف والبيان (6/ 234)؛ لأبي إسحاق الثعلبي النيسابوري، وفتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (3/ 505)؛ للشوكاني، وغيرهم.

[7] مسائل نافع بن الأزرق، وهي أسئلة قدَّمها إلى ابن عباس - رضي الله عنهما -، فأجاب عليها مستشهدًا بشعر العرب، وهي تقرب من (187) مسألة تقريبًا.

[8] الدر المنثور (1/ 573)، والإتقان في علوم القرآن (2/ 97)؛ للسيوطي.

[9] هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى (3/ 20).

[10] الشِّنشنة - بالكسر -: الطبيعة. والمعنى: أنهم أشبهوا أباهم في طبيعته وخلقه. وأخزَم هو: أخزم بن أبي أخزم، جدُّ حاتمِ طيِّئ. وهذا المثل أول من قاله أبو أخزم الطائي. وذلك أن أخزم كان عاقًّا لأبيه فمات، وترك بنين عقوا جدهم وضربوه وأدموه؛ فقال:

إن بنيَّ زمَّلوني بالدمِ ??? شِنشنة أعرفُها مِن أخزمِ

انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 1232)، وتاج العروس من جواهر القاموس (35/ 29).

[11] تفسير القرطبي (8/ 344).


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook