موعد مع الجنة

الكاتب: المدير -
موعد مع الجنة
"موعد مع الجنة




الحمد لله حقَّ حمده، والصلاة والسلام على رسوله وعبده، وعلى آله وصحبه، وبعد:

في عهد العزة والغزوات، وزمن المروءة والتَّضحيات، وعصر النَّخوة والبطولات، بزغ نَجمٌ من الجيل الفريد، إنه صحابيٌّ مقاتل صنديد، وأنصاريٌّ فدائي شهيد، فهل عرَفتم هذا البطلَ العنيد؟!

 

يا أشقَّاء الرُّوح:

اعلموا أن نَجمَنا السَّاطع شفاءٌ للقروح، وبلسم للجروح، اسمه: عميرُ بنُ الحُمَام بن الجَموح، كان له موعدٌ مع الجنَّة ولقاء، فسمَت رُوحُه بالتَّضحية والارتقاء، فوثب من ساح الوغى إلى أعالي السماء؛ انتقل من الخدود والقدود والعيون السُّود، إلى دار المُقامة وجنة الخلود، وتحوَّل من متاع الغرور وسراب الطين، إلى الحور العين بالمَقام الأمين.

 

أيها الإخوة الكرام:

كلما تذاكرتُ أخبارَ الأعلام، بزغتْ لي شمسُ الشجاعة والإقدام، وتهاوت معها عروشُ الظلام؛ فاستفدت منها الدروسَ والعِبر العظام.

 

فيا أيها الأنام:

تأملوا معي قصةَ عُمير بن الحُمام، الذي كان من السابقين للإسلام؛ فقد قاتَل في غزوة بدرٍ الكُبرى، وكانت بسالتُه لنا أعظمَ عظة وعِبرة؛ فهو الكَمِيُّ الباسل المغوار، وأول شهداء الأنصار.

 

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُشجِّع صحابتَه الكرام، ويستعلي بهمتهم عن الأوهام، ويرتفعُ بهم عن الحُطام؛ فيقول لهم: ((والذي نفسي بيده، لا يُقاتِلُهم اليومَ رجلٌ فيُقتَل صابرًا محتسبًا مقبلًا غيرَ مدبِر، إلا أدخله اللهُ الجنة))[1].

كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يرفعُ لهم المعنويات، ويُحفِّز عندهم الهممَ الخائرات، يستثير في الصحابة أعماقَ الوجدان، ويصف لهم نعيمَ الجنان.

 

فتأملْ معي هذا السعيَ النبيل الحثيث في هذا الحديث النبويِّ الشريف؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقدمن أحدٌ منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه))، فدنا المشركون؛ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((قوموا إلى جنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ))؛ قال عميرُ بن الحُمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضُها السماوات والأرض؟! قال: ((نعم)).

 

قال: بخٍ بخٍ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما يَحمِلُك على قولك: بخٍ بخ؟))، قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: ((فإنك من أهلها))؛ فأخرَجَ تمرات من قَرَنِه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييتُ حتى آكُلَ تمراتي هذه، إنها لحياةٌ طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتَلهم حتى قُتل[2].

 

فانطلق عمير وهو يرتجز:

رَكْضًا إلى الله بغير زادِ
إلَّا التُّقَى وعملَ المَعَادِ
والصَّبرَ في الله على الجهادِ
وكلُّ زادٍ عُرْضَةُ النَّفَادِ
غيرَ التُّقَى والبِرِّ والرَّشَادِ

 

إنها النفوسُ المؤمنة التي تهوَى التَّضحية والعطاء، وهي الأرواح الزَّكيَّة التي اشتاقت لدار البقاء!

 

فيا عمير بن الحمام:

انطلِق كالسَّهم في غير توانٍ؛ فقد شهد لك بالجنة المصطفى العدنان، إنها لحظات يسيرةٌ قبيل دخولك الجنان، فهل تحمِلُك - بعد ذلك - الرِّجلان؟!

 

وختامًا، لقد ركض عُمير للجنة سراعًا، ولحقتْه رُوحُه - بعد ذلك - تباعًا، تقرَّب لها ذراعًا، فدَنَتْ منه باعًا، فما أعظَمَه من موعد يا بن الحُمام، مع جنة المأوى في دار السَّلام!




[1] الحديث في مسند الإمام أحمد وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك.

[2] صحيح مسلم - الإمارة (1901)، سنن أبي داود - الجهاد (2618).


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook