ميسي يزور الحرم المكي

الكاتب: المدير -
ميسي يزور الحرم المكي
"ميسي يزور الحرم المكي

 

جعل الله مِن خلق الإنسان آيةً من آيات ربوبيته؛ مصداقًا لقول الله سبحانه وتعالى: ? وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ? [الذاريات: 21]؛ فلو قلَّب المرء النظَر في نفسه لرأى الأعاجيب، ومن أعجب ما في الإنسان جارحةُ القلب، هذه المُضغة الصغيرةُ في حجمها عظيمةٌ في شأنها؛ فبها يؤمن الإنسان أو يكفر، وبها يحب ويُبغض، وبها يزكو الإنسان فيكون برًّا تقيًّا، وبها يهوي في العصيان فيكون فاجرًا شقيًّا.

 

ومن غريب شأنها أنَّها تكون على حال فتنقلب إلى نقيضها؛ ولهذا سمَّت العرب هذه المضغة قلبًا لكثرة تقلُّبه، ولله درُّ من قال:

مَا سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلاَّ مِنْ تَقَلُّبِهِ ??? وَلَا الفُؤَادُ فُؤَادًا غَيْرَ أَنْ عَقَلاَ

 

فهذا عمر بن الخطاب كان جبارًا في الجاهلية، يعذِّب الناس على الإسلام، يقول ابنُ عمه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل - رضي الله عنه -: واللهِ لقد رأيتُني وإنَّ عمرَ لَمُوثقي على الإسلام قبل أن يسلم عمر...؛ رواه البخاريُّ.

 

ومن عجيب ما نُقل عنه أنَّه عذَّب جاريةً لرجل من بني عديٍّ بعد إسلامها، فكان يضربها حتى يفتُر، ثم يدعها ويقول: والله ما أدعُك إلا سآمة! فتقول: كذلك يفعل بك ربُّك!

 

ثم تمضي الأيام فإذ به ينقلب رأسًا على عقب، ويصير مؤمنًا من أكبر الناصرين لدين الله - تعالى - حتى قال فيه ابنُ مسعود - رضي الله عنه -: ما زلنا أعزَّة منذ أسلم عمر؛ رواه البخاري.

 

وإذا كان هذا حال عمر - رضي الله عنه - فليس عزيزًا على الله أن يهديَ أيَّ كافر إلى الإسلام، مهما كان حجمُ عدائه للإسلام، أو سَعة الشُّقة بينه وبين الدين، فليس عزيزًا على الله أن يهدي ميسي إلى الإسلام؛ ميسِّي اللاعب الأرجنتيني الشهير الذي حاز الكرة الذهبية ثلاث مرات على التوالي، وأبهر العالم بمهاراته ومراوغاته وأهدافه.

 

ولا غرابة بعد هذا أن يوفِّقه الله إلى زيارة بيت الله - تعالى - وشدِّ الرحل إلى المسجد النبوي؛ وهذا ما حظِي طرْفي برؤيته؛ فقد أبصرته بين أروقة الحرم المكي بمعيَّة شاب مسلم وهو - أي: الشاب - حفيٌّ به، حتى إنَّه حمله فوق ظهره!

 

رأيته متحللاً من لباس الإحرام، فلعله استتم شعائر عمرته الأولى، فطاف حول الكعبة سبعًا وصلى خلف المقام ركعتين، ثم سعى بين الصَّفا والمروة ليختم عمرته بالتحلل منها بتقصير شعره الجميل! فلا إخاله يغامر بحلقه؛ فيخسر بعض معجبيه من غير المسلمين! وهذا مُتصوَّرٌ في كثير ممن هم حدثاءُ عهد بالإسلام.

 

ولا جرم أنَّ كل مسلم يرى ما رأيته سيتهلل وجهه بِشْرًا، ويطير لبُّه فرَحًا، فتحوُّل مثل هذا الرجل إلى الإسلام مكسب عظيم، فلا ريب أنه سيكون - بإذن الله - من أحسن الدعاة إلى الله بين المسلمين فضلاً عن غيرهم؛ ذلك أن بعض شبابنا - أصلحهم الله - يتيهون هُيامًا بهذا اللاعب، ويعرفون عنه ما لا يعرفونه عن نبيِّهم محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

وليس من المبالغة في شيء لو توقعنا صيرورته إلى سفيرٍ ممتاز للإسلام؛ وخاصَّة في مثل زمننا هذا الذي تقاعس فيه كثيرٌ من أبنائه عن نصرته والدعوة إليه، وركنوا إلى الدنيا وانشغلوا بها عن أمانة هذا الدين، ولست أبرِّئ نفسي.

 

لكنِّني في هذه اللحظة شعرت بِهِزَّةٍ هزتني من أخمص قدمي إلى مفرِق رأسي كأنها زلزال، ليست هِزَّةَ المحب التي قال عنها أبو صخر الهُذلي:

وَإِنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ ??? كَمَا انْتَفَضَ العُصْفُورُ بِلَّلَهُ القَطْرُ

 

ولكنَّها هِزَّةُ المغضَب الحانق؛ ذلك أنني رأيت ميسِّي في الحرم وهو لا يزال متدنِّسًا برِجْزِ الشِّرك، رأيته وهو متلفع برداء الكفر، وما آسفني أكثر هو سكوت المسلمين عن هذا المنظر؛ فهل بلغ عشقُهم لمراوغات هذا الفتى أن أغمضوا عنه أعينهم، وكتموا غيرتَهم؟!

 

ورغم امتعاضي من هذا المنظر إلا أنني سكتُّ كما سكتوا، فلم أنبس ببنت شَفَة، ولا همستُ بصوت خفي، ومبلغ ما صنعت أن كظمت غيظي، وكبتُّ غمي، ولم أجد إلا أوراقي أفجِّر فيها غضبي وأقذف فيها حُمَمِي.

 

بربِّكم كيف يُمكَّنُ هذا العِلْجُ من دخول الحرم، وأفئدة كثير من المسلمين تحترق شوقًا إليه؟! بل إنَّ كثيرًا منهم يموت ولم تكتحل أعينهم بالنظر إليه!

 

وقد يسائلني من وقعت عينه على هذا الخبر، كيف لمثلك أن يرى ميسِّي وينفرد بنقل هذا الأمر الجلل؟! فهذا خبر تتوافر الهممُ على نقله؛ وخاصة همم أهل البطالة الذين لا شغل لهم إلا تتبع سَقْط المتاع؟!

 

وأجيبهم بلسان عربي مبين: نعم، لقد رأيته! لقد رأيته! لقد رأيته!

 

ولكنِّني رأيته رسمًا لا جسمًا، رأيته مكتوبًا بلسان العجم على ظهر ذاك الشاب المسلم، وهذا هو سرُّ وَجْدي ومكمنُ سخَطي؛ لأنني أكبرْتُ في مسلم؛ رضي بالله ربًّا، وبالإسلام الدينَ، وبمحمَّد نبيًّا ورسولاً أن يحتقبَ اسم كافر على ظهره.

 

فكأنِّي بميسِّي الآن يمشي مختالاً فخورًا؛ يقول: إن لم أدخلها أنا فليدخلها اسمي! على وزان ما قاله سلَفه الصليبي الحاقد نابليون بونابارت حين عجز عن احتلال عكَّا؛ فرمى قبعته فوق أسوارها قائلاً: إن لم أدخلها أنا فلتدخلها قبعتي؟!

 

بربِّكم أنصفوني، وإن أخطأت فقوِّموني؛ كيف لهذا المسلم أن يرفع اسم كافر فوق ظهره؟! والظهر موطنٌ شريف من البدن، كان سببًا في رفعة درجة أقوام، منهم طلحة بن عبيدالله رضي الله عنه في أُحُدٍ، فعن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: كان على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم دِرعانِ يومَ أحُدٍ فنهض إلى الصخرة فلم يستطع، فأقعدَ طلحةَ تحته - وفي رواية ابن حبان والحاكم: فجلس طلحةُ بن عبيدالله تحته، فصعِد النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عليه حتى استوى على الصخرة؛ فقال سمعت النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: أوْجب طلحةُ[1].

 

فكان ظهرُه سببًا لرضا الله - تعالى - عليه، لكنَّه في هذه الأيام العِجاف صار مجلبةً لسخط الرحمن، ومذلَّة لأهل الإيمان، وكيف لا؟! وأبناء المسلمين يمكِّنون ظهورهم لأعدائهم، معتزِّين بغير رجالهم، موقِّرين لمن يُكذِّبُ نبيَّهم صلَّى الله عليه وسلَّم ويُبغض دينهم ويحب فَناءهم، ألم يقل أحد اللاعبين الألمان قديمًا: لو كنت أعلم أن العرب يشاهدونني ما لعبت؟!

 

إنَّ إعجاب شبابنا لم يقف عند حد الإعجاب الرياضي، بل تعدَّاه إلى عشق ممنوع، يذوب فيه الدين، وتنتهك فيه الثوابت والقيم، ولا أدلَّ على هذا من رفعهم لشعارات أندية أوربية وعليها شعارات صليبيَّة.

 

إنَّ المؤمن الصادق هو الذي يعتزُّ بانتمائه، ويرى أنَّ رابطة الدين مقدَّمةٌ على رابطة الدم والتراب، وهذا ما جعل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يتبرَّأ من عمِّه أبي لهب فيُقرئ أصحابه سورة المسد، ويقول في سلمان الفارسي: سلمانُ منَّا أهلَ البيت[2].

 

إنَّ الأمة اليوم تحتاج إلى هذا المعدِن من الرجال والنساء الذين يتأسون بنبيهم صلَّى الله عليه وسلَّم فيعتزُّون بدينهم، ويقدِّمون ما قدَّمه الله ويؤخِّرون ما أخره.

 

نعم، قد يذنب المؤمن، وقد يتعثَّر الفارس، وهذا شأن البشَر، وليس العيب أن نذنب، بل العيب كلُّه ألا نتوب من الذنب، وليس العار أن نسقط، ولكنَّ العار كلَّ العار أن نبقى دائمًا ساقطين وأن نستمرئ السقوط ونرضى بالهبوط.

 

فيا من رفعت العِلْجَ على ظهرك أقلعْ، ويا من خرقت دينَك بهذا الصنيع رقِّع، ونزِّل الأنجاسَ منـزلَهم، وضعِ العُلوجَ موضعَهم، ولتأخذْك الأنفَة من أن ترفع عدوَّك على ظهرك أو صدرك، ولتكن لك بأبي جهل قدوةٌ في عكس عمله، حين قال لابن مسعود - رضي الله عنه - حين ارتفع عليه: لقد ارتقيتَ مرتقًى صعبًا يا رُوَيْعِيَ الغنم!.

 

فأبى على كفره أن يرتفع عليه مؤمنٌ! فكيف بمسلم موحِّد أن يرفع ما خفضه الله، ويعتزُّ بما أذلَّه الله، ولا موضع لهؤلاء إلا الذلَّ والصَّغار.

 

أخي الحبيب، إن سلفت منك زلَّة، وحصلت منك غفلة؛ فتدراكْ أمرَك، وجدِّد توبتك، ولتكنْ لك أسوةٌ حسنة بالمجاهد الجزائريِّ: الحاج محمد المقراني[3]، الذي مالأ الاستدمار الصليبي الفرنسي ردحًا من الزمن، ثم استفاق من غفلته، ووقف من كبوتِه، فأعلنها حربًا على فرنسا لا تُبقي ولا تذر، ثم أتى إلى وسام الشرف - وهو وسام الذلِّ - الذي كان يضعه على صدره، فوضعه خلف ذنب فرسه مُسَامتًا لموضع النجاسة، وهذا هو الموطن الأليق به وبهم، وكيف لا وربُّ العزة يصفهم بقوله: ? إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ? [التوبة: 28][4].

 

أخي الحبيب، وبعد هذا كلِّه، أتريد لميسي أن يزور الحرم ثانيةً؟!




[1] رواه أحمد والترمذي وابن حبان، وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

[2] رواه الحاكم وضعفه الذهبي والألباني، لكن معناه صحيح، فآله هم أتباعه، وهذا المذهب منسوب إلى الإمام مالك.

[3] استشهد رحمه الله في ميدان الشرف بعد شهرين من انعتاقه من رق الصليبيين سنة: 1871 م، وسميت الثورة باسمه؛ ثورة المقراني، وقد نفي بعض أبنائه وأعوانه إلى نيوزيلندا ولهم عقب في تلك البلاد إلى يوم الناس هذا.

[4] مذهب الظاهرية أن نجاستهم حسية ومعنوية خلافًا للجمهور فقصروها على النجاسة المعنوية.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook