نجوت من الموت للأبد؟!

الكاتب: المدير -
نجوت من الموت للأبد؟!
"نجوت من الموت للأبد؟!


قصة حقيقية

تأملت حال الدنيا من حولي وبُحْتُ لقلمي بهمس أن أكتب ما جال بنفسي، ولامس مشاعري، وما خالط قلبي من أمور لعَلِّي أرسم حياتي، فأراها تتجسد أمام عيني، فوجدت من نفسي العجب العجاب، وجدتها نفسًا حياتها رُسِمت من قطرات الماء على سطح البحر، آه يا نفسي، آه وألف آه، نفسٌ تائهة ضائعة في زينة الحياة، تاهت في عالم النسيان، أفاقت وهي تتلو آيات الله في سورة آل عمران: ? كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ? [آل عمران: 185]، نعم، إنها الغفلة، آه يا قلبي على حياتي؛ فقد أعمتني الدنيا بزخرفها وزينتها عن حقيقتها، وكأنها وحش ذو مخالب يخفي نفسه في زيِّ فتاة جميلة الشكل والمظهر، حتى خُدِعت فيها، وتناسى قلبي أن الدنيا حقيرة زائلة، وأن ما نراه من جمال فيها هو خداع، وأنه لا جمال فيها إلا جمال الطاعة والقرب من الله، وما سوى ذلك فهو سراب، توقَّف فكري وأنا أنظر حال الدنيا وحالي معها، أغمضت عيني، وتأملت شريط حياتي حتى تأملت نهايته بعينٍ تدمع، وقلب يعتصره الألم، ولسان يُرَدِّد: نعم، نعم، سيأتي يوم أودعكِ فيه أيتها الدنيا، بكل ما فيك من لهو ولعب، ولن يبقى معي إلا ما قدمت يداي من أعمال، فيا ترى ستنجين من العذاب؟! يا ترى سأكون من الذين سيُزَحْزَحون عن النار؟! هل سأفوز بالجنة ؟! آه يا نفسي، بأي حال ستلقين ربكِ، وبينما أنا أتحسر، ويعج رأسي بالأسئلة، يا ترى، يا ترى، يا ترى، دون أيما إجابة عليها، وإذا بي أجد الإجابة، أقسم لكم وجدت لكم إجابتي، وجدتها والدمع يسبقني، وجدتها، وأنا أتلو آيات القرآن؛ قال - تعالى - في سورة فاطر: ? وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ? [فاطر: 37]، رباه، هل سأكون منهم، رُحماك ربي، ربي اغفر لي، ربي لا تؤاخذني بذنوبي، ربي إني ظلمتُ نفسي، فإن لم تغفر لي وترحمني لأكونن من الخاسرين.



آه يا نفسي، كفاك غفلة واستهتارًا، أفيقي، أنتِ الآن بدارِ العمل، فأسرعي الخطى إلى الله، قبل أن تندمي وتقولي: أرجعني يا رب أعملْ صالحًا غير الذي كنت أعمل، ويقال لكِ: لقد تُرِكْتِ بالدنيا سنوات وسنوات، ألم تتذكري فيها حق الله عليك؟! ألم يأتِكِ رسول من الله لتَتَّبِعي سنته فتنجي ولكنكِ تكاسلْتِ، نعم، تكاسلتِ فظلمتِ نفسك، ألم تتكاسلي عن صلاة السنن؟! ألم تهجري كتاب الله حتى صار التراب يعلوه؟! ألم تضيِّعي ساعات في اللهو بدون فائدة؟! ألم، ألم؟ ما أكثر ما ضيعت! وما أكثر تقصيرك في حق الله! اصدُقيني القول يا نفسي، ماذا صنعتِ من أعمال تلقين بها ربكِ؟!



توقف مني الكلام للحظات، وطار عقلي، يصور لي من جديد لحظة وداعي للدنيا، وأنا أقول: أوقفوني، لم تستعجلون دفني في التراب؟ اصبروا، أهانت عليكم روحي، ثم قلت لنفسي: هُنْتِ عليهم لما هانت عليك نفسك، فلم تُحضِّريها لتلك اللحظة، فلا تلومِنَّ إلا نفسَك، نعم إن لم تستعِدي فلا تلومِنَّ إلا نفسك.



أفقتُ من غفوتي، علمت أن الموت قطار لا بد من ركوبه لا محالة، أعيدوني، لعلِّي أعمل صالحًا فيما تركت، آه يا نفسي، آه يا نفسي، يا ليتني كنت ترابًا.



وبينما أتحسر على نفسي، وما فرطت في جنب الله، إذا بي يعود إليَّ الأمل عندما علمتُ أني ما زلت أتنفس، نعم ما زال قلبي ينبض، اللهم لك الحمد، لم ينتهِ أجلي بعدُ، وإنه ما زال بالعمر بقية، فقلت: يا نفسي، هل صحوتِ من غفلتك أخيرًا، هل ستشغَلُكِ الدنيا مرة أخرى؟! صرخت بكل جوارحي: لا، لن تشغلني بعد اليوم، فبادرتني نفسي قائلةً: أخبريني إذًا ماذا أعددتِ للقاء ربك؟ لم تخبريني بعدُ، اكتُبْ يا قلمي، وانثر حبرك؛ ليسطر لي حياتي الحقيقية، كيف أصنعها وأجَمِّلها؟ حتى إذا ما جاءت لحظة الرحيل سعدتِ يا نفسي، حتى لو بكى مَنْ حولي؛ لأني وقتها سأكون أعددت الزاد للقاء ربي؛ لتبقى حياتي كصورة نُحِتت على الصخر، تبقى لغيري نبراسًا للهدى، ومنارة يُستضاء بها في ظلمات الدنيا، وتنكشف بها زينتها الخداعة.



زادي للقاء ربي صارت تلك الجملة مشروع حياتي، تأملت: يا ترى ما هو أول ما أستعين به في رحلتي للدار الآخرة؟ أهو الصدقة الجارية؟ أم الصيام، أم الصلاة، أم مساعدة المحتاجين، أم، أم؟

كلها أمور مهمة للغاية لي في رحلتي، ولكن وجدت شيئًا آخر هو الأهم، وهو المصباح الأول؛ لأنير قلبي به في الدنيا، وهو مُعِيني على كل طاعة وعمل صالح، فبه يُعرف الحق والباطل، وبه الهدى والنور، وهو رحمة، به سأضيئ ظُلمةَ قبري، ويكون هو أنيسي ورفيقي برحلتي، إنه القرآن الكريم؛ فهو تجارة رابحة مع الله؛ قال - تعالى -: ? إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ? [فاطر: 29]، أول ما ذُكر في الآية ليس الصلاة والإنفاق، وإنما تلاوة كتاب الله؛ لأنه هو دستور حياتنا، وبه تستقيم حياتنا، فإن تلوناه بحق، وخشعنا لتلاوته، عملت جوارحنا بإخلاص، فنجدها تقيم الصلاة، وتسرع في كل أبواب الخير؛ وذلك لأنه غذاء القلب ودواؤه، فبه تطمئن القلوب.



قال - تعالى -: ? الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ? [الرعد: 28].



من منا لا يريد طمأنينة القلب؟ من منا لا يريد العون على الطاعة؟ من منا لا يريد أن يذكُرَه الله؟!



قال - تعالى -: ? فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ? [البقرة: 152].

قلت لنفسي: يا نفسُ، زادُكِ للقاء ربك هو القرآن، فماذا ستصنعين؟ ليكن القرآن نبراس حياتك، وليكن به خُلقك كخُلق النبي - صلوات ربي وسلامه عليه - فقد كان خُلقه القرآن، كان كما قالت السيدة عائشة: كان قرآنًا يمشي على الأرض.



فانطلق لساني، سأكون قلبًا وَعَى القرآن، سأحفظ القرآن، وأتدبر آياته، لعلني بذلك أُعَلِّم جوارحي كيف تعمل بالقرآن؟ ولأن نفسي الأمارة بالسوء دائمًا ما توسوس لي، فقد بادرتني قائلة: أليس حفظ القرآن صعبًا؟! آه يا نفسي مِن ألاعيبك، آه، لا، لا، ليس صعبًا؛ قال - تعالى -: ? وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ? [القمر: 17]، هكذا أخبرني ربي، وقال بعض أهل التفسير: إنه يقصد بالذكر في هذه الآية حفظَ القرآن الكريم، ألستِ يا نفسي تهابين نار الدنيا لحرارتها، ولأنها محرقة؟! نعم، والله أهابها، وأخاف منها، فيا ويلي من نار الآخرة، في تلك المرة، وأنا أتحدث مع نفسي، وأُذَكِّرها بنار الآخرة، لم أبكِ، بل ضحكت مستبشرة بفضل الله، فقد قرأت أن حفظ القرآن يُنَجي صاحبه من النار، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لو جُعِل القرآن في إهاب، ثم ألقي في النار ما احترق))؛رواه أحمد، يا له من فضل لأهل القرآن!! اللهم اجعلنا منهم، ونجِّنا من النيران.



عزمت على حفظ القرآن، فالموت آتٍ لا محالة، والحياة ستنقضي، لن ينفعني مال ولا عيال.



لن ينفعني سوى القرآن، ساعة واحدة أدخرها للقرآن في يومي لأحفظه، تنجيني بإذنِ الله من أهوال القيامة؛ لأني وقتها سأصير من أهل القرآن الذين أَعْطَوا كتاب الله - تعالى - حقه، حقه في التلاوة والحفظ، وحقه في التدبر والفهم، وحقه في الامتثال والعمل.



وصفهم الله - تعالى - بقوله: ? إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ? [الأنفال: 2]، أنزَلوا القرآن منزلته، فأعلى الله - تعالى - منزلتهم.



فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن لله - تعالى - أهلينَ من الناس، أهل القرآن هم أهل الله وخاصته))؛ رواه أحمد والنَّسائي.



فمن منا يا نفسي بعد كل هذا الفضل لا يهوى قلبه أن يكون من أهل القرآن، الذين هم أهل الله وخاصته، إنها منزلة عظيمة لا ينالها إلا من بذل الجهد، وجاهد النفس لينالها، فهيا يا نفسي، أري الله منكِ خيرًا.



وأبشري يا نفسي، ليس هذا الفضل كله فحسب؛ فالقرآن يجعل لكِ جمالاً وبهاءً أنت ووالديك، لا يُرى مثله يوم القيامة؛ فعن بريدة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من قرأ القرآن وتعلَّمه وعمل به، أُلْبِس يوم القيامة تاجًا من نور، ضوؤه مثل ضوء الشمس، ويُكسى والداه حُلتين، لا يقوم بهما الدنيا، فيقولان: بم كُسينا؟ فيقال: بأخْذِ ولدكما القرآن))؛ صححه الحاكم، ووافقه الذهبي.



كما أنه يحاجُّ عنك يوم القيامة؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب، حَلِّه، فيُلْبَس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب، زِدْه، فيُلبَس حُلَّةَ الكرامة، ثم يقول: يا رب، ارضَ عنه، فيرضى عنه، فيقال: اقرأ وارقَ، ويزاد بكل آية حسنة))؛ رواه الترمذي.



وفتحت مصحفي، وأخذتُ أحفَظ الآية تلو الأخرى، وكلما زاد حفظي، زادت معه سعادتي، وفرحة قلبي، علمت وقتها أن الحياة الحقيقية ليست أكلاً وشربًا، ليست زوجًا وأطفالاً، ليست لهوًا ولعبًا، وإنما هي حياة القلب مع القرآن، صارت الساعة التي أخصصها يوميًّا للقرآن هي جنتي، بها ذُقْت حلاوة الجنة في الدنيا قبل الآخرة، وصرت أُحِس بفضل الله عليَّ كبيرًا، أدركت وقتها أن من أراد الدنيا بكل ما فيها من زينة، والآخرة ونعيمها، فعليه بالقرآن.



هذه هي قصة نجاتي من الموت موت القلب قصة واقعية، ليست موضوعًا ألَّفْتُه، ولا موعظة سطرتها بقلمي، وإنما حياتي مع القرآن، بالقرآن قلبي حي للأبد لا يموت، وإن مات جسمي وتحلَّل، فسيظل قلبي ينبض بحب الله ونعيمه، سواء في الدنيا، أو في القبر، أو في الآخرة في جنات الخُلد؛ قال - تعالى -: ? إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ? [فصلت: 30، 31]، ومن كان بعيدًا عن القرآن، فهو ميت، وإن كان جسده يتحرك.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook