نحن.. وتراثنا

الكاتب: المدير -
نحن.. وتراثنا
"نحن... وتراثنا

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

وبعد:

فمسكينٌ مَن يظن التلخيص والاختيار والانتقاء أمرًا يسيرًا! وهنا تكمن إشكالية التعامل مع تراث الإسلام والعربية بعامةٍ؛ ولذا يجب أن نتَّفق على عدة نقاطٍ تضيء هذا النقاشَ:

فإنَّ العرب أمَّةُ المشافهة؛ فأُميَّتُها أذكت فيها روحَ الحفظ الشفاهي الجماعي الذي يضمن لها الحفاظَ على تراثها في عقولها وقلوبها، يلقيه الفائت إلى الحاضر ليبلغه المستقبل بغير تغييرٍ مؤثِّر.

 

وحين بدأ عصر التدوين في حياة المسلمين بدأ موسوعيًّا؛ يجمع ولا ينقِّح، ولكن يضع في خضمِّ ذلك آلية التصحيح والتنقيح بذكر ما سمَّاه اللغويون والمحدِّثون والأخباريون والمؤرخون بعدُ بـ السند أو الإسناد؛ وهو سلسلة الرِّجال الذين نُقِل عنهم العلم.

 

إنَّه هذا الاتصال الذي يضمن لك تبليغ المعرفة اللغوية والحديثية والتاريخية بمصدرها متصلًا إلى أولها بكل دقةٍ في أكثر الأحوال؛ ممَّا يترك للمتأخرين إعمالَ آلية النقد المُمنهَج لمعرفة ما صحَّ من ذلك وما بطل.

 

هذه الخاصية في المعرفة الإسلامية أعفت ناقلي التراث من تَبعات ما ينقلون، فنجد - مثلًا - أبا جعفر محمد بن جرير الطبري (المتوفى: 310 هـ) ينقل في تاريخه كلَّ ما وقع بين يديه في التاريخ بأسانيده، متوخيًا الابتعاد عن الشاذ جدًّا في حكايته أو راويه؛ وبذلك فقد ألقى من ذمَّته نقد وتمحيص الروايات إلى الذين من بعده، وهو معنى قولهم: مَن أَسند فقد أحال؛ يقصد أحال إلينا الانتقاء والتمحيص والبحث عن صحيح المعرفة وصحيح العلم.

 

ثمَّ تطورت العلوم بعد ذلك وتحدَّدت معالمها؛ فصار لكل منها إطارٌ معرفيٌّ يجمع أطرافه ويلم مباحثه، وكان ذلك التطور في ذاته انتقاء وترتيبًا وتلخيصًا لموسوعية التراث المعرفي الإسلامي العربي؛ فهو بناءٌ على بناء مع مزيد تحسينٍ وتطوير، وهو جزءٌ من كلٍّ لا يلغي أصله ولا يقاطعه.

 

في كل تلك المراحل، وفي كل مجالٍ معرفي، وفي كل علمٍ، وفي كل مصنَّفٍ - هناك عوامل تَبني شخصية ذلك الرافدِ المعرفي؛ تلك هي عوامل البيئة الفكرية والاجتماعية والسياسية المحيطة بذلك الرافدِ العلمي.

 

ولنضرب مثلًا بعلم التفسير؛ فنجد أنَّ كل مفسرٍ يمثل في شخصية مؤلفاته مذهبَه العقدي، ومذهبه الفقهي، وبيئته الاجتماعية، والسياسية، وثقافته العلمية المعرفية؛ وعلى هذا الأساس يتلوَّن تناوله للآيات بهذه المؤثرات.

 

فمثلًا تفسير الكشاف للزَّمخشري يوجه كثيرًا من الآيات بحسب اعتقاده في الاعتزال، ويهتم بجانب البلاغة اللغوية التي يبرع فيها، بينما نجد فخر الدين الرازي يغلب عليه المذهب الأشعري الذي يلوح في كل كلمةٍ من تفسيره، كما تغلب عليه الفلسفة وعلم الكلام في مباحث الكتاب.

 

وهنا يأتي دور القراءة الجادَّة والمتأنية والمتفحصة والناقدة للتراث من أجل تَصفيته من تلك العوامل التي اعتورت شخصيَّته؛ من أجل تخليص العلوم وقصرها على أسسها النقية في جذور هذا الدين.

 

فعملية القراءة والتدقيق والتمحيص هنا هي عودة إلى نقاء هذا الدين، وليست أبدًا اتهامًا للتراث أو نقَلَتِه؛ فروحُ هذا الدين متمثلة بطريقة أو بأخرى في كل الشخصيات المعرفية عبر أدوار معالجة هذا التراث.

 

كما أنَّ ذلك لا يعني أبدًا مقاطعةَ التراث والبدء من جديد، أو التنكر لما جهد فيه الأولون إعمالًا لمقولة: هم رجالٌ ونحن رجال، فلولا ما مهَّد الأول، ما راح الآخِرُ ولا جاء، وكل الذين ينعقون بغير ذلك مغرضون أو متآمرون.

 

وإن أيَّ تدخُّلٍ في تلخيص التراث أو تمحيصه بغير منهجٍ مدروسٍ جيدًا هو ظلمٌ وتعدٍّ على تراثنا، لا يقبله ذو غيرةٍ على هُويتنا، فضلًا عن أن نقبل مقاطعة هذا التراث.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook