وألقي السحرة ساجدين (صدق النية مع الله تعالى)

الكاتب: المدير -
وألقي السحرة ساجدين (صدق النية مع الله تعالى)
"? وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ?
صدق النية مع الله تعالى

 

أخي المسلم أرجو أن تركِّز معي تمامًا في لحظة فارقة في موقف غاية في الدقة والتحول من حال إلى حال، ألا وهو تحول سحرة فرعون من كفار محاربين لله بكل ما لديهم من خبرة ومكانة عند فرعون إلى مؤمنين بالله مخلصين له الدين، رغمًا عن فرعون وجبروته وتهديداته..

 

تمعن الآيات: ? وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ? [الأعراف: 120 - 126].

 

نحن نركز هنا على هذه اللحظة فقط حتى لا نشتت الانتباه، ما سر هذا التحول المفاجئ دون مقدمات له؟

وكيف وقع؟ وما الفاعل فيه؟ انظر أخي المسلم إلى هذه الآية القصيرة التي تحوي ثلاث كلمات فقط.

? وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ?، ما أبلغ القرآن الكريم في التعبير والإيحاء بالدلالات.

 

فهناك سرعة في البلاغ الذي ينمُّ عن سرعة التحول والانقلاب في لحظات، إنها لحظات فارقة بين الباطل فيما مضى، والحق في الحاضر المضيء.

 

وإنه لعجب أن يأت الفعل (وَأُلْقِيَ) تعبيرًا عن هذه السرعة في التحول، والتخلص من كل آثار الماضي للكفر في النفس الإنسانية المقهورة بالظلم والجبروت، وظلمة القلب وغشاوته، إلى إيمان بالله راسخ لا يتزعزع ونفس مطمئنة راضية مرضية، وقلب قد أضاء بنور الله، والأعجب أن يأت الفعل (وَأُلْقِيَ) مبني للمجهول.

 

إن هذا الفعل بهذه الحالة قد نفهَم منه بأن فعل سجود السحرة كان بتوفيق من الله، فالفعل ظاهر للعيان قد قام به السحرة، ولكن هناك في مكنونه توفيق من الله ورضاه عن توبة السحرة، ولنسمع النتيجة بعد ذلك في الحديث القدسي: فإذا أحببته كنت سمعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، وقدمه التي يمشي بها، وجاء في رواية أخرى يقول سبحانه: فبي يسمع وبي يبصر، وبي يبطش وبي يمشي.

 

ولقد جاءت باقي الآيات لتؤكِّد المعنى العميق لهذه الكلمات الثلاث للآية الكريمة..

? قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ?.

 

أخي المؤمن، لاحظ أن هذا التحول السريع للسحرة لم يأت من فراغٍ، أو سابق تفكير وتدبر في صحة ما هم عليه قبل ذلك من الكفر أو الشرك، فمن الواضح أنهم مارسوا هذا التفكير والتدبر قبل ذلك، والدليل قولهم: ? وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ? [طه: 73]؛ مما يؤكد عدم رضاهم بما كانوا عليه سابقًا.

 

وهذا ما يدل عليه ما جاء في الصحيحين: (فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ).

 

والحديث الآخر: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ).

 

إن تلك اللحظات الفارقة في حياة الإنسان لا تأتي إلا بصدق نيةٍ مع الله في القلب، رغم قصر وقت التحول، وقد يظهر لنا للوهلة الأولى قلة الجهد المبذول، ولكن هناك عمق في التدبر وإخلاص صادق داخل النفس، وإرادة لا تتحول، بعد تفكُّر وتدبر لزمن قد يطول أو يقصُر في الوضع الذي فيه الإنسان ومدى صحته، ومن ثم يأتي بعد ذلك توفيقُ الله وعونه، فتجيء ومضة النور وشعاع الهدى لتملأ قلب: ? وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ? [محمد: 17]، ? نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ? [النور: 35].

 

وفي حديث المرأة التي سقت الكلب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: بيْنَما كَلْبٌ يُطِيفُ برَكِيَّةٍ، كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَها فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لها بهِ، فهذه المرأة سقت الكلب بنية خالصة كانت في قلبها فغُفِرَ لها، وحديث الرجل الذي أماط الأذى عن الطريق، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينما رجل يمشي بطريق وجد غصنَ شوكٍ على الطريق، فأخَّره فشكر الله له، فغفر له .

 

وهذا الرجل نحَّى غصن الشوك عن الطريق، فعله إذ ذاك بإيمان خالص، وإخلاص قائم بقلبه، فغفر له بذلك، فإن الإيمان يزداد ويتضاعف بما في القلوب من الإخلاص وصدق النية مع الله، ولذلك قال الحبيب المصطفى: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة)؛ رواه البخاري ومسلم.

 

وهذا لا يكون إلا بالقلب العامر بطاعة الله ومحبته، فهل درَّبت نفسك على هذا؟


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook