وترى الجبال تحسبها جامدة

الكاتب: المدير -
وترى الجبال تحسبها جامدة
"? وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً ?

 

? أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ? [الغاشية: 17 - 19]، دعوة للالتفات والنظر لهذا المخلوق العظيم (الجبال)، هذه الآية فتحت أمامي ميدانًا خصبًا للبحث، وحين شرعتُ في اصطياد مادته، تكاثرت عليَّ اتجاهاته، وتباعد عليَّ نظمه، وصرتُ كلما تفكرت في جانب، استطردت في جوانب أخرى، كلها تدور حول هذا المخلوق العظيم ولكن بأطياف متنوعة.

 

لقد كشف القرآن الكريم عن جوانب من سمات الجبال، وأبدى لنا بعض أسرارها، وعرَّفنا بالعلاقة بين بعض المخلوقات وبين الجبال؛ فالنحل أوحى إليها ربنا أن تتخذ من الجبال بيوتًا، وأصحاب الكهف أمرهم الله بأن يحتموا بذلك الكهف، فناموا بين أكنافه، فنشر عليهم من رحمته، وجعل لهم من أمرهم يسرًا، والرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة خرج من ضوضاء مكة وشتات عبادة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى إلى جبل النور؛ حيث الطمأنينة والتفكر ومناجاة الله، حتى جاءت رسل الله بالحق المبين، فاهتزت عروش الشرك وتهاوت أصنامه أمام صيحات التكبير، وحين وجد الرسول صلى الله عليه وسلم المعارضة والمحاربة من كفار قريش، وعزموا على قتله، هاجر من مكة للمدينة واحتمى في غار ثور؛ ليبعد الأعين عن طريقه ويواصل رحلته نحو (طَيْبة) الطيبة، في كل تلك المراحل من بداية تحنُّثِه صلى الله عليه وسلم ونزول الوحي عليه وطريق هجرته، كان الجبل مرةً أنيسه وطمأنينته، ومرةً حصنه وأمانه بحول الله، وحتى حين نزلت طلائع الوحي الأولى، كان الجبل شاهدًا على اللحظات الأولى له، ثم حين استقر الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة ووقعت غزوة أحد، استُشهد عددٌ من الصحابة وتعالت الأصوات أن الرسول صلى الله عليه وسلم قُتِل، في حين أن النبي كان محتميًا بشقِّ في جبل (أحد) ومعه عدد من الصحابة، هذا الجبل عاش مع الصحابة أحداث المعركة، وابتلَّت صخوره بدمائهم الزكية، فنشأت علاقة محبة بينه وبين المسلمين، ((هو جبل يحبنا ونحبه)) كما أخبر بذلك الصادق المصدوق عليه أفضل الصلاة والتسليم، ظهرت تلك المحبة حين صعد النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر الصديق وعمر الفاروق وذو النورين عثمان، فاهتز الجبل فرحًا بهم؛ فقال له النبي: ((اثبُت أحد؛ فإن فوقك نبيٌّ وصديق وشهيدان)).

 

هذه الجبال رغم صلابتها وصمتها إلا أنها تشفق وتأبى؛ يقول الله تعالى: ? إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ? [الأحزاب: 72]، كما أنها تسبح بحمد الله؛ يقول تعالى: ? وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ ? [الأنبياء: 79].

 

وحتى في الآخرة لم يغِبْ ذكرَ الجبال ومصيرها وحالتها في ذلك اليوم العصيب، فالله عز وجل يصف حالتها بقوله: ? وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ? [القارعة: 5]، وقوله: ? وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ? [الواقعة: 5]، كما يجيب عن سؤال قد يشغل بالنا وهو مصير تلك الجبال؛ يقول تعالى: ? وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ? [طه: 105] صدق الله العظيم.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook