وقفات دعوية مع غزوة بدر

الكاتب: المدير -
وقفات دعوية مع غزوة بدر
"وقفات دعوية مع غزوة بدر

 

بداية مرحلة الدفاع عن الدعوة:

كانت غزوةُ بدرٍ حدًّا فاصلًا بين مرحلتين:

الأولى: هي التي التزم فيها المسلمون بالصبر وضبط النفس، وعدم الاستجابة لأفعال المشركين القبيحة واستفزازهم، فلم تصدرْ من المسلمين ردودٌ لتلك الأفعال والاستفزازات، وكان ذلك استجابةً منهم لأوامر الله عز وجل، ومِن تلك الأوامر قولُه تعالى: ? وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ? [النحل: 127]، وقوله تعالى: ? وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ? [الشورى: 43]، وقوله تعالى: ? قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ? [الجاثية: 14].

 

والثانية: هي التي بدأ المسلمون فيها يُدافِعون عن أنفسهم ودولتهم الجديدة الناشئة، وهي التي بدأَتْ بغزوة بدرٍ؛ ولهذا كان يوم بدر ? يَوْمَ الْفُرْقَانِ ? [الأنفال: 41] يُمثِّل بدايةَ مرحلة المواجهة بين قوة الحق وبين قوى الباطل، كما يُمثِّل أول مراحل الدولة من حيث التشريعاتُ الخاصة بعَلاقة المسلمين بعضهم ببعض، وعلاقتهم بغيرهم، وقواعد الحرب والسلام.

 

ومن هنا، فإن منهج الدعوة الإسلامية قد سلك طريقًا جديدًا منذ غزوة بدر، يتَّفِق مع طبيعة المرحلة من حيث الأساليبُ والوسائل والأهداف، تتضح فيما يلي:

أولًا: ما يتعلق بالأساليب:

1 - أسلوب الحكمة:

الحكمة لغةً: أحكم الشيء واستحكم، وحكم الفرس وأحكمه: وضع عليه الحكَمة، وحكَّموه: جعلوه حكمًا، والصمت حُكم: أي حكمة، وأحكمَتْه التجارب: جعلته حكيمًا، وحاكمه إلى الله، وإلى القرآن: إذا دعاه إلى حُكمه[1].

أما في الاصطلاح؛ فهي:

1- الإصابة في القول والعمل.

2- الفهم.

3- العقل.

4- الفقه.

 

ويقول الدكتور عبدالخالق إبراهيم إسماعيل:

(إن ما يهمُّنا من ذلك أن يكون الداعي حكيمًا في دعوته، بمعنى أن تكون دعوته شاملةً لكلِّ ما تقدم من معاني الحكمة)[2].

 

وقد تجلَّى أسلوب الحكمة في تصرُّف النبي صلى الله عليه وسلم - وهو القدوة والأسوة الحسنة - ومعالجته للأمور عند الخروج للقتال، وكراهية البعض وتردُّدهم، فقد جمع صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار، وعرَض عليهم الأمر، واستشارهم، واستمع من المهاجرين، ثم من الأنصار، وجدَّد معهم البيعة على القتال، كما استعان بأصحاب النفوس القوية، الممتلئة حماسةً وشجاعة؛ كالمقداد بن الأسود الذي قال: (لا نقول لك يا رسول الله، كما قال قوم موسى: اذهَبْ أنت وربك فقاتِلَا، ولكنَّا نقاتل عن يمينِك وعن شمالك، وبين يديك وخلفك)[3]، وكسَعْد بن معاذ الذي قال: (امضِ يا رسول الله لما أُمرِت، فنحن معك، لئن سرتَ حتى تأتي بَرْك الغِماد مِن ذي يمن لنسيرنَّ معك، ولعلك خرجتَ لأمرٍ، فأحدَثَ الله غيرَه، فامضِ لما شئتَ، وصِلْ حبال مَن شئت، واقطع حبال مَن شئت، وسالِمْ مَن شئت، وعادِ مَن شئت، وخُذْ من أموالنا ما شئت) [4].

كان لهذه الكلمات عظيمُ الأثر في نفوس الفريق الكاره المتردِّد، فقويت عزيمتهم، وزال الخوفُ، وانتهى التردُّد، وأقبل المسلمون جميعًا - رغم قلَّتِهم - يقاتلون القوم، فنصر الله تعالى المؤمنين، وأذلَّ الكافرين، وتحققت إرادةُ الله بإحقاق الحق وإبطال الباطل، وأن تكون ذاتُ الشوكة للمسلمين.

 

وقد تجلَّتِ الحكمة كذلك في القيادة الحكيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يُحرِّض أصحابه على القتال، ويرغبهم في الجنة لمَن قُتل منهم صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، فاستجابوا وأقبَلوا على القتال صابرين محتسبين.

ومِن هنا تتبيَّن حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم في معالجة الأمور، واستعمال أسلوب الترغيب في الإقبال على القتال للدفاع عن الدعوة، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم عالمًا بأحوال الناس، فمنهم ضعيفُ العزيمة، قليل الهمَّة، مطبوعٌ على الخوف والتردُّد، ومنهم شديد الحماس، قويُّ العزيمة، مطبوع على الشجاعة والإقدام، فاستطاع بحكمته أن يجمعهم - بتوفيق الله تعالى - على كلمة واحدة.

 

2- أسلوب الجدال: (في قوله تعالى: ? يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ ? [الأنفال: 6]):

الجدال لغةً: جَدَل الحَبْل: فَتَله، وجادَله: خاصمه، والجَدْل: شدَّةُ الفتل، والجَدَل: اللَّدَد في الخصومة والقدرة عليها، ويقال: جادَلتُ الرجل فجَدَلْتُه جَدْلًا: أي غلبته، والجَدَل: مقابلة الحجة بالحجة، والمجادلة: المناظرة والمخاصمة[5].

 

ويقول الدكتور عبدالخالق إبراهيم:

(إن المجادلة بالحسنى هي أدلةٌ كلامية، يُورِدها الدعاة لإلزام الخصم بها، وجَعْل المدعوِّين يؤمنون بها - أي: بهذه الأدلة - والمجادلة بالحسنى هي تناول القضايا تناولًا برهانيًّا استدلاليًّا، قائمًا على المقدِّمات السليمة المُوصلة إلى النتائج الصحيحة، ووصف المجادلة بالحسنى؛ حتى لا تكون كالمجادلة المرادة عند المَناطِقة، والتي هي لإلزامِ الخصم بخلاف الأَولى، فإنها لإظهار الصواب وبيان الحق، وإقناع الخصم بالحسنى، والجدال بالتي هي أحسن من العوامل الهامة في فن تبليغ الدعوة) [6].

ومِن هنا يمكن القول بأن الجدال في الاصطلاح: هو محاولة إقناع المدعوِّ لاتباع الحق، بأدلة عقلية قائمة على مقدِّمات سليمة دون إكراه، ومحاورته بالحسنى والتلطف، أو هو: دفع الخصم بحجة أو شبهة، أو هو: نظر مشترك بين اثنين[7].

 

ولقد جادل الفريقُ المتردِّدُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في أمر الخروج للقتال، وكانت حجتهم هي قلةَ العدد والعتاد، وأنهم لم يخرجوا ابتداءً للقتال وإنما خرجوا للعِير، ولم يستعدوا لملاقاة القوم، وأنهم يخافون من الهزيمة أو الموت في معركة غير متكافئة.

 

على أن الأمر لم يكن مخاصَمة ولا مجادلة بالباطل، ولكنها أعذار وتخوُّفات أبداها البعض للتعبير عن وجهة نظرهم ومكنون صدورهم، وقد فهِم النبي صلى الله عليه وسلم تلك الدوافعَ، فلم يُكرِه أحدًا على أمر القتال، ولكنه صلى الله عليه وسلم - وهو طبيب النفوس - طرح الأمر على الفريقين: القلة الكارهة، والكثرةِ القابلة، وبعد المشاورة والمناقشة اقتنعت القلَّة برأي الكثرة، وتوحَّدت الكلمة، وتحقَّق الهدف، وتبيَّن الحقُّ عند الجميع.

ومِن هنا، فعلى الداعي أن يكون واسعَ الصدر، متفهِّمًا لنفوس المدعوِّين وميولهم وعقولهم، وعليه أن يكون قويَّ الحجة واضح البرهان، لإقناع المدعوين بما يدعو إليه من قضايا الإسلام.

 

ثانيًا: مراعاة أحوال المدعوين وبيان أصنافهم:

تبيَّن أنه لما أفلَتَتِ العِير أصرَّ كفارُ مكة على قتال المسلمين، فكان لا بد من مواجهة الموقفِ، ولا يمكن التراجع بأي حال من الأحوال، وطالما أن الأمر تحتَّم، فكان لا بد من معرفة آراء الصحابة، ومدى استعدادهم لقتال قريش؛ فهم قد خرجوا أول الأمر لملاقاة العِير وليس للقتال، فالعدد قليل والعدة أقل، كان لا بد من تجديد البَيْعة على القتال؛ لهذا عرَض النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة رضي الله عنهم من المهاجرين والأنصار، وكان منهم الكارهُ للقتال والقابل المتحمِّس، بَيْدَ أن الفريق الكاره لم يكن رافضًا للقتال، ولكنها الطبيعة البشرية، أو الحسابات الظاهرة البادية؛ لهذا لم يُعنِّف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هذا الفريقَ، ولكنه أخذ بيده، ورغَّبه في جنةٍ عرضُها السموات والأرض، فقَوِيت عزائمهم، وزال عنهم الخوف والتردُّد لمَّا سمِعوا كلمات إخوانهم ورأَوْا حماسهم، وكان في ذلك مراعاةً لحال هذا الفريق، والأخذ بيدَيْه إلى معالي الأمور، والثبات على الحق بعدما تبين، هذا عن فريق المؤمنين.

 

أما صنف الكافرين المعاندين أعداء الدعوة، فهؤلاء لا يُفِيد معهم إلا أسلوب القوة (وهو الكلمة الأخيرة)؛ ذلك لأن الناس جُبِلوا على أن يُعجَبوا بالأقوياء وبالقوة، وقد يضطرُّ إلى الأخذ بأسلوب القوة بسبب عناد الخصم، وإصراره على مواقفه العدوانية والرافضة، يقول الله عز وجل: ? لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ? [الحديد: 25].

يقول الألوسي: (وهذا إشارةٌ إلى احتياجِ الكتاب والميزان إلى القائم بالسيف؛ ليحصل القيام بالقسط)[8]، فالجلاد لمَن أصرَّ على العناد، والعدل لا يقوم بنفسه، بل لا بد من قائم يقيمه، وباذلٍ يقتحم الصعبَ من أجله.

 

ثالثًا: ما يتعلق بالوسائل:

الوسيلة الأولى: وسيلة القتال:

القتال لغة: قَتَله قتلًا: قضى على حياته، ويقال: قتل الخمر: مزجَها بالماء ليكسر حدَّتها، وقتل الموضوع بحثًا: تعمَّق في بحثه، وقاتله مقاتلة وقتالًا: حارَبه، وقتل القوم: بالَغ في قتلهم، واقتتل القوم: قاتَل بعضهم بعضًا[9].

والقتال نوعٌ من أنواع الجهاد، لكن إذا أُطلِق الجهاد، فإنه يراد به غالبًا الجهاد بالنفس؛ أي: القتال، كما أن الجهاد بالنفس يُقرَن غالبًا بالجهاد بالمال[10]؛ قال تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ? [الصف: 10، 11].

 

تعريف الجهاد لغة: (الجهد) بفتح الجيم وضمها: الطاقة، والجهد: بالفتح: المشقة، وجاهد العدو مجاهدةً وجهادًا: قاتله، والجهاد: محاربة الأعداء، وهو: المبالغة واستفراغ ما في الوُسْع والطاقة من قول وفعل، وهو أيضًا المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أو اللسان أو ما أطاق من شيء[11].

 

الجهاد اصطلاحًا: استفراغ الوُسْع في المدافعة بين طرفين ولو تقديرًا، ونعني بالتقدير جهادَ الإنسان لنفسه، بتقدير أن الإنسان يشتمل على طرفين في نفسه حين تتصارع فيه رغبتانِ متناقضتان، كلٌّ تجاهد في سبيل الغلبة على الأخرى، وبِناءً على هذا قد يكون الوسع المبذول فعلًا ماديًّا بسلاح، أو بغير سلاح، وبدفع مال، وقد يكون قولًا، وقد يكون بالامتناع عن الفعل والقول، كمَن يمتنع عن طاعة والديه فيما يأمرانِه به من معصية ويصبر على إلحاحهما في طلب ذلك منه، وكمَن يعفُّ عن إشباع شهوة حرام وقد نازعَتْه نفسُه إليها[12].

 

تعريف آخر للجهاد: الجهاد كلمة جامعة تشتمل جميع أنواع السعي وبذل الجهد، وعليه؛ فإن تغيير وجهات أنظار الناس، وتبديلَ ميولهم ونزعاتهم، وإحداثَ انقلاب عقلي وفكري بواسطة مرهفات الأقلام - نوعٌ من أنواع الجهاد، كما أن القضاء على نظُم الحياة العتيقة الجائرة بحدِّ السيوف، وتأسيس نظام جديد على قواعد العدل والإنصاف - أيضًا من أصناف الجهاد، كذلك بذلُ الأموال، وتحمُّل المشاق، ومكابدة الشدائد - أيضًا فصولٌ وأبواب مهمة من كتاب ""الجهاد"" العظيم[13].

 

ومِن هنا يتضح أن القتال نوعٌ من أنواع الجهاد، ووسيلةٌ من الوسائل المشروعة من أجلِ حماية الدعوة وإزالة المعوقات من طريقها، ومنع الفتنة والاعتداء على الدعوة وأصحابها؛ وذلك لأن الأصلَ هو دعوة الناس بالحسنى، وبالرفق واللين، وإنما القتال وسيلةٌ يضطر إليها المسلمون ويلجؤون إليها عند حجب الدعوة عن أهلها، أو عند فتنة المؤمنين؛ لأن الهدف الأول هو إيصال الدعوة إلى الناس؛ كي يختاروا عقيدتهم بحرية تامة وبلا إكراه؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ? لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ? [البقرة: 256]، فتبيِّن الآية الكريمة أن الهدف ليس هو إكراهَ الناس على الدخول في الإسلام؛ وإنما الهدف هو بيان الرشد من الغي، ثم الناسُ بعد ذلك أحرارٌ في اختيار عقيدتهم، وإن الوسيلة إلى تحقيق بيان الرشد من الغي هي الدعوةُ باللسان وبالحجة والبرهان، أو باللجوء إلى أسلوب القوة كوسيلة أخيرة لضمانِ وصول الدعوة إلى الناس دون أن يتعرض أحدٌ لأذى أو فتنة.

 

الوسيلة الثانية: الاستعانة بالله عز وجل:

وهي مِن الوسائل المعنوية، وهي دليل على الإيمان الحقِّ، وحسنِ الطاعة، وحسنِ الصلة بالله تعالى؛ فإن توثيق الصلة بالله عز وجل من أهمِّ الوسائل التي يستعين بها الداعية على تحقيق ما يصبو إليه من إيصال الحق إلى الناس، ولقد جاءتِ البشرى للنبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى بالنصر، وتحقق وعد الله عز وجل، وبشَّر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابَه، وكان ذلك من الأسباب التي قَوِيت بها عزيمةُ المسلمين وثقتهم في تأييد الله تعالى ومَدَده، فما النصرُ إلا من عند الله.

 

رابعًا: ما يتعلق بالداعي:

وعلى الداعي أن يتحلَّى بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم في مراعاة أحوال المدعوِّين، ومعرفةِ نفوسهم، ومدى قوتهم وضعفهم، وقبولِهم للدعوة أو رفضهم، فيكون رفيقًا، واسع الصدر خصوصًا مع المعارضين أو الكارهين أو المتردِّدين؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واسع الصدر مع الكارهين للقتال، لم يعنِّفْهم ولم يُكرِههم، بل أخَذهم بالرفق واللين، وأجلسهم بين الأصحاب ليسمعوا آراءهم وأقوالهم، فقَوِيت عزائمُهم، وزال الخوف والتردُّد، وكانت المشورة وسيلةً أخذ بها النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه المؤيَّد بالوحي؛ لتكون شرعًا متبَعًا في مثل هذه الأمور وغيرها (كما استشار في اختيار منزل الجيش)، قال تعالى: ? فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ? [آل عمران: 159].

 

جاء في ""المستطرف"": (واختلف أهل التأويل في أمره بالمشاورة مع ما أمدَّه الله تعالى من التوفيق، على ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه أمره بها في الحرب؛ ليستقر له الرأيُ الصحيح فيعمل به.

وثانيها: أنه أمره بالمشاورةِ؛ لما علم فيها من الفضل.

وثالثها: أنه أمره بمشاورتهم؛ ليستنَّ به المسلمون، وإن كان في غنيةٍ عن مشورتهم.

 

وقد قيل في فضل المشورة: ما استُنبط الصواب بمثل المشورة، وقيل: المشورة موكَّل بها التوفيقُ لصواب الرأي، وقيل: الناس ثلاثة: فرجل رجل، ورجل نصف رجل، ورجل لا رجل؛ فأما الرجل الرجل، فذو الرأي والمشورة، وأما الرجل الذي هو نصف رجل، فالذي له رأي ولا يشاور، وأما الذي ليس رجلًا، فالذي ليس له رأي ولا يشاور، وقيل: لا مال أوفر من العقل، ولا فقر أعظم من الجهل، ولا ظهر أقوى من المشورة، وقيل: مَن بدأ بالاستخارة وثنَّى بالاستشارة، فحقيقٌ ألا يخيب رأيه)[14].

وقد مدح الله تعالى عباده المؤمنين فقال: ? وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ? [الشورى: 38]، وهي صفات تبعثُ على التآلف، وتوحيد الصف، وجمعِ الكلمة، وهي أهدافٌ يجب على الداعي والقائد أن يسعى إلى تحقيقها وإشاعتها.




[1] أساس البلاغة؛ الزمخشري، مادة (ح ك م).

[2] مباحث في الدعوة، ص227.

[3] مباحث في الدعوة، ص227.

[4] مباحث في الدعوة، ص227.

[5] لسان العرب، المجلد الأول، ص 569.

[6] مباحث في الدعوة؛ د. عبدالخالق إبراهيم إسماعيل، ص234.

[7] الدعوة الإسلامية؛ محمد يوسف حمودة، ص68.

[8] روح المعاني، ج13، ص 549.

[9] المعجم الوجيز، مادة (ق ت ل).

[10] أصول الدعوة؛ د. عبدالكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، ط9، 2001، ص 273.

[11] لسان العرب، المجلد الأول، ص 708.

[12] الجهاد في سبيل الله؛ د. عبدالرحمن محمد علي عويس، كلية أصول الدين، القاهرة، ط1، 1996م، ص8.

[13] الجهاد للأئمة الثلاثة، ص25، المختار الإسلامي، رقم الإيداع بدار الكتب: 8642، 1995.

[14] المستطرف في كل فن مستظرف؛ تأليف شهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح الأبشيهي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1993م، ج1، ص83.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook