وقفات وتنبيهات حول الحسد (عين الحاسد)

الكاتب: المدير -
وقفات وتنبيهات حول الحسد (عين الحاسد)
"وقفات وتنبيهات حول الحسد (عين الحاسد)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ أما بعد:

فنظرًا لكثرة الإصابة بالحسد، ونظرًا لتفاوت نظرة الناس للحسد ما بين مثبتٍ معتدل ومثبت مبالغ ومنكر له كان لزامًا تسليط الضوء عليه لبيان الآتي:

?-الموقف الشرعي الصحيح منه.

?-وبيان أسباب وقوعه.

?-وأسباب الحماية منه.

?-وأسباب دفعه بعد وقوعه.

?-وعلامات الإصابة به.

?-أمثلة عليه.

?-هل الحسد يكون فقط على أمور الدنيا، أم على أمور الدنيا والدين؟

?-هل الحسد أحيانًا يكون خطيرًا جدًا وماهي خطورته!؟

 

أولًا- الموقف الشرعي الصحيح هو إثباته ودليل ذلك قوله سبحانه: ? أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى? مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ? فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ? [النساء: 54]، وقوله سبحانه: ? ولولا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ? [الكهف: 39].

 

والحديث التالي: (مرَّ عامرُ بنُ ربيعةَ بسَهلِ بنِ حُنيفٍ وَهوَ يغتسلُ، فقالَ: لم أرَ كاليومِ ولا جِلدَ مُخبَّأةٍ. فما لبثَ أن لُبِطَ بِهِ، فأتيَ بِهِ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقيلَ لَهُ: أدرِك سَهلًا صريعًا. قالَ: من تتَّهمونَ بِهِ؟ قالوا: عامرَ بنَ ربيعةَ. قالَ: علامَ يقتلُ أحدُكم أخاهُ، إذا رأى أحدُكم من أخيهِ ما يعجبُهُ فليدعُ لَهُ بالبرَكةِ، ثمَّ دعا بماءٍ فأمرَ عامرًا أن يتوضَّأَ فيغسلَ وجْهَهُ ويديْهِ إلى المرفقينِ ورُكبتيْهِ وداخلةَ إزارِهِ وأمرَهُ أن يصبَّ عليْهِ. [أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة، وصححه الألباني في الصحيحة 2572].

 

وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجارية في بيتها رأى في وجهها سَفعة: بها نظرة، استرقوا لها؛ متفق عليه.

 

وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكثر من يموت من أمتى - بعد قضاء الله وقدره – بالعين؛ راوه البخاري في التاريخ وحسنه الألباني.

 

قال الحافظ ابن القيم - رحمه الله تعالى -:

(فأبطَلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمرَ العين، وقالوا: إنما ذلك أوهام لا حقيقة لها، وهؤلاء مِنْ أجهلِ الناس بالسمع والعقل، ومِنْ أغلظِهِم حجابًا، وأكثفِهِم طباعًا، وأبعدِهِم معرفةً عن الأرواح والنفوس، وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها، وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونِحَلِهم، لا تدفَعُ أمرَ العين، ولا تُنكِره، وإن اختلفوا في سببه، وجِهَة تأثير العين).

 

قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى -:

(حقيقة العين نظَرٌ باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع، يحصل للمنظور منه ضرر).

 

تنبيه: يُلحظ على البعض - وخاصة النساء - الخوف الشديد من الحسد بسبب كثرة انتشاره بينهن؛ لأنه ينتشر بين بعضهن ضعف الإيمان والمحبة الزائدة للدنيا وزخرفها، لكن يجب ألا يصل هذا الخوف لدرجة الوسوسة أو الشك في كل الناس.

 

ثانيًا: أسباب وقوعه:

? ضعف إيمان العائن، وعدم تبريكه على من أعجبه شأنه.

 

? ضعف إيمان المصاب، وضعف توكله على الله سبحانه، وتفريطه في التسلح بأذكار الصباح والمساء، وتباهيه بالنعم عند سائر الناس.

 

ثالثًا: أسباب الحماية منه:

?-المحافظة على الواجبات الشرعية؛ ومنها صلاة الفجر في وقتها.

 

?-المحافظة على أذكار الصباح والمساء وإذكار دخول المنزل والخروج منه.

 

?-عدم ذكر النعم وتفاصيلها عند كل الناس.

 

?-صدق الإيمان بالقدر مع صدق التوكل على الله سبحانه؛ قال عز وجل: ? وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ? وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ? إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ? قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ? [الطلاق: 3].

 

رابعًا: أسباب دفعه بعد وقوعه:

?-الدعاء: وهو أقوى وأعظم سبب؛ لقوله سبحانه: ? أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ? أَإِلَ?هٌ مَّعَ اللَّهِ ? قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ? [النمل: 62].

?-الإسترجاع.

?-الصبر.

?-الرقية.

?-وإذا عُرف العائن فيؤخذ من أثره.

 

خامسًا: علامات الإصابة به:

?-تغير حال المعيون فجأة وبدون أي مقدمات من صحة ونشاط إلى مرض وكسل.

?-التغير الحاد المفاجئ في سلوك الزوجين ومحبتهما لبعض وكثرة خلافاتهما بدون أسباب مقنعة.

?-عدم اتضاح سبب طبي لتردي الصحة.

?-القلق وضيقة في الصدر.

5-الكسل في العبادات.

 

سادسًا: أمثلة عليه:

المثال الأول: سبق معنا حديث قصة الصحابي الذي أصاب الصحابي سهل بن حُنيف بالحسد في جسده.

 

المثال الثاني: قرأتُ الرقية على رجلٍ فكان كلما بدأت برقيته نام وفور الانتهاء يستيقظ مباشرة، فسألتُ أصحاب الخبرة، فقالوا: هذا محسود بحسدٍ قوي.

 

بقي أن تعرف ما هو مرضه؟

كان خطيبًا مفوهًا وفجأة أصيب بما يمنعه من الخطابة.

 

المثال الثالث: حدثني أحد الدعاة بأنه كان يلقي كلمةً في مسجدٍ، وفجأة حصل له أمرٌ غريب.. ما هو؟

 

هو أنه كلما أراد أن يستدل بآية أو حديث نسيها تمامًا فيقع في الحرج الشديد.

 

وفي اليوم التالي ذهب لإلقاء كلمة قصيرة في المسجد فحصل له نفس ما حصل له في كلمة الأمس وهنا خطر له خاطر أن به حسدًا، وهنا قام برقية نفسه بالرقية الشرعية ثم ألقى كلمة بعد العشاء كما كان سابقًا.

 

المثال الرابع: هناك من ابتلوا بالحسد للغير رغمًا عنهم حدثني من أثق به قال: قال لي زميلي في العمل يا فلان ترى عين الحسد لك خرجت قل بسرعة تريدها فيك أم في السيارة؟

 

قال: قلت بل في السيارة؟

قال فذهبت لسيارتي المرسيدس فإذا مكينتها تالفة تمامًا؟

 

المثال الخامس: تصلني مشاكل أسريه من غرابة تفاصيلها أكاد أجزم بأنهم محسودين، ثم يقولون: صدقت بنا عين حاسد.

 

سابعًا: الحسد قد يحصل في الأمور الدينية مثل العبادات والأمور الدنيوية.

 

ثامنًا: قد يحصل من أقرب الناس كالزوج أو الزوجة والأم والأب وغيرهم.

 

تاسعًا: على من رأى ما يُعجبه في الغير أو حتى في نفسه أن يُبرِّك ويقول: ما شاء الله، تبارك الله حتى لا يصيب غيره بالحسد.

 

عاشرًا: الحسد أحيانًا يكون خطيرًا جدًّا، قد يمنع المحسود من طلب الرزق أو يقلل من بركته، وقد يمنع الشابة أو الشاب من الزواج، وقد يُسبب الحوادث، وقد يسبب الخلافات الزوجية ثم الطلاق بل قد يقتل المحسود؛ ولما سبق وجب الحذر منه بفعل أسباب تلافي وقوعه ثم أسباب علاجه.

 

حادي عشر: هناك من ابتلوا بقوة عيونهم في حسد الناس وما ينتج عنها من الإضرار بغيرهم، وقد اتصلت بي امرأة تشتكي من قوة عينها الحاسدة للغير وأنها تسببت بذلك في أذية كثير من الناس وتسألني عن حل يُبعدها عن الحسد، فقلت لها عليك بالآتي:

?-تقوية إيمانك وتقواك لله سبحانه.

 

?-الدعاء بإلحاح بطلب شفائك منه.

 

?-مجاهدة نفسك على التخلص من الحسد، وذلك بتقوية الإيمان بالقدر والرضى بما قسم الله لك.

 

?-كثرة الاسترجاع.

 

?-التبريك وقول ما شاء الله عند رؤية ما يُعجبك.

 

?-الاغتسال لمن أصابهم حسدُك ورش غسولك عليهم.

 

ثاني عشر: أقول كل ما سبق ليس تخويفًا من الحسد بل هو تنبيه فقط لأخذ الحيطة والحذر مع قوة الإيمان بالقدر والصبر على أقدار الله سبحانه والتوكل عليه سبحانه، قال عز وجل: ? ومن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ? [الطلاق: 2 – 3]، وقال سبحانه: ? قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ? وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ? [التوبة: 51].

 

حفظكم الله من شر الحساد ومن شر كل من به شر، وصل اللهم على نبينا محمدٍ ومن والاه!.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook