وقفة دعوية

الكاتب: المدير -
وقفة دعوية
"وقفة دعوية

 

إن منهج الدعوة الإسلامية في سورة الأنفال يتجلَّى في قوله تعالى: ? قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ? [الأنفال: 38]؛ ويتضح فيما يلي:

1- أهمية وسيلة القول في قوله تعالى: ? قُلْ ?، وهو أحد الوسائل الهامة في الدعوة إلى الله، وقد سبق بيانها.

 

2- أن الدعوة بلاغ وتبليغ، فاللام في قوله تعالى: ? لِلَّذِينَ ? - كما ذكر الألوسي رحمه الله - هي للتبليغ، على معنى خاطِبْهم يا محمد، صلى الله عليه وسلم، بذلك[1]، فالنبي صلى الله عليه وسلم مُبلِّغ عن الله تعالى، وقد بلَّغ وما قصَّر، وهكذا على أتباعه صلى الله عليه وسلم أن يقتدوا به، وأن يكونوا دعاة خير ورحمة، وأن يكونوا مُبلِّغين أمناء.

 

3- أن مِن أهم أساليب الدعوة أسلوبَ الترغيب والترهيب، ففي الآية الكريمة دعوةٌ وترغيب للذين كفروا وعاندوا أن ينتهوا عن أفعالهم السابقة في حرب الدعوة، وأنهم إن انتهوا فإن الله تعالى سيَغفِرُ لهم ما مضى من ذنوبهم ومعاصيهم، ويتوب عليهم، وكذلك ستُعصم دماؤهم وأموالهم، وينعمون بالأمن والأمان، أما إن عادوا إلى قتال المسلمين ومعاداة الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوتِه، فقد مضَتْ فيهم وعُلِمَتْ سُنَنُ الله تعالى في الأوَّلين، وهي انتقام الله تعالى منهم وهزيمتهم، ونصر الله تعالى للمؤمنين، وهي السُّنة التي لا تتغير ولا تتبدل، كما قال تعالى: ? كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ? [المجادلة: 21]، وقال تعالى: ? وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ? [الروم: 47]، ولا يخفَى تقديم الترغيب على الترهيب في الآية الكريمة، ويقول الألوسي رحمه الله: (وذهَب غيرُ واحدٍ إلى أن المراد بالذين كفَروا الكفار مطلقًا، والآية حثٌّ على الإيمان وترغيب فيه، والمعنى أن الكفار إن انتهوا عن الكفر وأسلَموا، غفر لهم ما سلف منهم من الكفر والمعاصي، وإن عادوا إلى الكفر، فقد عاد التسليط والقهر عليهم، واستدل بالآية على أن الإسلام يجبُّ ما قبله)[2].

 

4- أن العَوْد في الآية الكريمة ? وَإِنْ يَعُودُوا ?، هو العود إلى القتال ومحاربة الدعوة وتعقُّب أصحابها، وليس هو العودَ إلى الكفر؛ لأنهم لم يسلموا بعد، ولأن الإسلام لا يُكرِه أحدًا على الدخول فيه، ولا يفرض عقيدتَه بالقوة، ولا يحارب الناس لكي يدخلوا في الإسلام، ولكنه يحارب مَن يقف في طريق الدعوة، ويفتن الناس ويؤذيهم، ويصدهم عن الخير الذي أرادوا، والدينِ الذي اختاروا، والعقيدةِ التي آمَنوا بها.

 

5- أن سُنة الأولين هي نصر المؤمنين والانتقام من الكافرين المعتَدين، ونصر المؤمنين هو النصر والظهور في الدنيا، والتمكين للدين والمؤمنين في الأرض، لكن النصر والظهور والتمكين إنما يكون على قدرِ الإيمان وتحقُّقه في قلوب المؤمنين وأفعالهم؛ ولهذا جاء ذكرُ صفات المؤمنين حقًّا في مطلع السورة الكريمة، ولمَّا تحقَّق الإيمان في الصحابة رضي الله عنهم، نصرهم في بدر على عدوهم، وانتقم مِن صناديد قريش أعداء الدعوة، وتلك سُنة الله تعالى، كما قال عز وجل.

 

ولا شك أن نصر الله تعالى للمؤمنين إنما يكون بشرطين:

الأول: تحقق الإيمان.

والثاني: السعي وإعداد العدة، والخروج لملاقاة العدو.

كما قال تعالى: ? وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ? [البقرة: 250]، فلما تمَّ السعي والبروز والالتقاء، مع الاستعانة بالله والثبات والدعاء بالنصر - كانت هزيمة الأعداء، قال تعالى: ? فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ? [البقرة: 251]، وهذا ما حدث في بدر.




[1] روح المعاني، جزء 5، ص 519.

[2] روح المعاني، جزء 5، ص 519.


"
شارك المقالة:
5 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook