وقفة مع بعض الأولويات

الكاتب: المدير -
وقفة مع بعض الأولويات
"وقْفَة مع بعض الأولويات

 

من رحمة الله لعبده أن فتح له أبواب الخيرات والحسنات، ونوَّع له الطاعات والعبادات والقُربات، وجعل منها الفريضة ومنها النافلة والتطوُّع، منها ما هو فردي ومنها ما هو جماعيّ، منها اللازم ومنها المتعدّي، ولكلٍّ أجره ووزنه وفضيلته، مع علم المسلم أنه ما تقرّب إلى الله بأحبّ مما افترضه عليه ربّه، ثم علمه وعلم أهل الخير وكل من يعمل في هذا المجال بعظيم نفع الخير المتعدّي للغير، وعلى هذا رغب أهل الصدقات والخيرات في دفع أموالهم، وله قامت المؤسسات الخيرية باختلاف أنواعها.

 

وممّا نجده في هذا المجال، وأردنا من خلاله أن نشير إليه لتصحيح المسار، وتذكير الأخيار، حتى يسلموا من التخليط والاضطراب، وتقع خيراتهم موقعها السليم بدون علّة؛ هو التنبيه على بعض الأولويات، وتقديم ما ينبغي تقديمه، إذْ هو مُقدمٌ شرعاً وعقلاً وواقعاً، ولو فقِهنا السيرة النبوية حقّ الفقه لتعلّمنا الشيء الكثير، وراجعنا أنفسنا أكثر من مرّة حتى نعلم المقصد، ونستوعب الغاية.

 

سأضرب بعض الأمثلة حتى يتبيّن المقال وتتّضح الإشارة، علماً أنّي أتحدّث عن الأولويات ولا أحرّم بعض التوجّهات أو الاتجاهات أو القناعات، أو أنتقص من بعض الجهود أو الطاعات، فبالله أعوذ من الانتقاص لما أمر الله به أن يوصل، أو وجّه إليه أن يُفعل.

 

أيها المقتدر الكريم: أليس عطاؤك ونوالك للمحتاج الذي تراه أمامك، وربما يسكن بجوارك، بل ربما يكون بعض أهلك وقرابتك، أليس مدّ يدك له بما يغنيه ويسدّ حاجته أوْلى من حجّك لبيت الله الحرام كل عام! مع عِظَم حقّ البيت وربّ البيت وحجّ البيت؛ إلّا أنّي أضع هذا التساؤل لمراجعة الأمر، وإعادة النظر في وجّهة النظر.

 

وقد أشار إلى مثل هذا العلماء، حتى رأى الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -  أن بذل النفقة في الجهاد أفضل من بذلها في حج التطوع، لأن نفل الجهاد أفضل من نفل الحج. ا.هـ.

 

فما بالك بما هو أوجب وأقرب!




أيها القائم مديراً ومسؤولاً في مؤسستك الخيرية التي أُنشِئت لمساعدة المحتاج وسدّ حاجته وحفظ ماء وجهه: أليس من الأوْلى أن تلتفت إلى بعض الموظفين لديك، ممّن تقلّ رواتبهم عن راتبك بكثير، فتشعر أنه بحاجة إلى التفاتتك الكريمة، فتغنيه برفع راتب، أو صرف مكافأة، أو منْح منيحة، تجعله في وظيفته مرتاحاً، يتمتّع بالحبّ والولاء والاجتهاد والرضا، بدلاً من أن يعيش ناقماً متضايقاً، يرى الأموال تدخل إلى المؤسسة وتخرج منها دون أن يشتمّ حتى رائحتها مع حاجته الشديدة، مع أنها ستذهب – حسب خطّة المؤسسة وهدفها - إلى مساكين ربّما هو منهم أو مثلهم... ألا تجعل له منها نصيب، وتشعر أنه ربما يأتيك بملابس العمل كأنه المدير، مع أنه في بيته قد لا يملك خبز الشعير!

 

أيها الدّاعية المربّي: أليس من الأوْلى أن تلتفت قليلاً إلى أولادك وأهلك، وتشعر أنهم أوْلى بالدعوة والتربية والتوجيه! ألا تجعل لهم وقتاً كافياً بجانب من تدعوهم إلى الخير، وتدّلهم على طريق النور من الآخرين! إنْ تفلّتَ بعض بنيك، واعوجّ مسارهم مع بذْل الجهد الحقيقي منك ومن أوّل يوم؛ عندها عليك أن تحتجّ بأن الله يهدي من يشاء، وإلّا فارجع باللوم على نفسك، سترى أن الخلل منك ابتداءً، فعُدْ واعلم أن العوْد أحمد، وتذكّر (كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته).

 

يا صاحب الأخلاق العالية، والمعاملة الطيّبة: لقد أحسنت في سيْرك وفي معاملة الناس، حتى استحقّ مسارك فيهم المديح والثناء والحبّ والدعاء، وهذا هو المطلوب في الدين، ولكن لماذا لا تمنح أهلك وأكثر الناس التصاقاً بك بعضاً من أخلاقك تلك! لماذا تكون داخل بيتك أسداً لا يُسمع إلا زئيره، بينما تكون حِملاً وديعاً مع الناس الآخرين! أين أنت من التوجيه النبوي (خيركم خيركم لأهله)!

 

هذه أمثلة لا على سبيل الحصْر، أردّت من خلالها الإشارة -كما ذكرتُ أعلاه- إلى أهمّية إعادة النظر في مجالات الخير التي يقدم عليها الإنسان، حرصاً على المنفعة التامّة، كما هو الحرص على سلامة حاسّة الخير، خاصّة في هذا العصر الذي اختلطت فيه الكثير من الاهتمامات، وتعاضدت فيه جملة من المهمّات، تحتّم على مريد الخير الاستبانة، وعلى الناظر الإيضاح والإبانة.


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook