ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها

الكاتب: المدير -
ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها
"? وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ?




الإعراض عن دِين الله أو عن ذِكر الله أو عن آيات الله: كلمة تقشعرُّ منها الأبدان، وتنفِر منها النفس السويَّة، والفطرة السليمة، فالذي يعرض عن دين الله تعالى وعن ذِكره وعن آياته إلى أين سيذهب؟ إلى دنيا زائلة؟ أم إلى سلطان زائل؟ إم إلى عبد مسكين ضعيف؟ أم إلى ماذا؟ وكيف يعارض هذا الكائنُ الضعيف نواميسَ الكون ومخلوقاتِه وهي تسمع قوله تعالى: ? فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ? [الذاريات: 50]، فتلبِّي طواعية وحبًّا وشوقًا.

 

إن مَن يُعرض عن دين الله تعالى إنما هو مخلوق زال عقلُه، وتعطلت جوارحه، فيترك الماء العَذْب الصافي الرقراق ويشرب من المِلح الأجاج، فلا يرتوي عطشه، ولا ينجو من السقام العضال، مخلوق يأنَف من النور ويعشق الظلام، مخلوق ترك طوق النجاة وأبى إلا أن يصارع الأمواج وحده في بحر لجيٍّ لا شاطئ له ولا قاع.

 

• عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالسٌ في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفرٍ، فأقبل اثنانِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذهب واحدٌ، قال: فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أحدهما فرأى فُرجةً في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبَر ذاهبًا، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه اللهُ، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا اللهُ منه، وأما الآخر فأعرض فأعرَض الله عنه))؛ (رواه البخاري).

 

• قال قتادةُ رحمه الله: إياكم والإعراضَ عن ذكر الله؛ فإن مَن أعرض عن ذِكره فقد اغتَرَّ أكبر الغرة، وأعوز أشد العَوَز، وعظم من أعظم الذنوب.

 

أولًا: معنى الإعراض عن آيات الله تعالى:

الإعراض: هو التولِّي، والإدبار، والهروب، والصدود، والانصراف، وعدم الإذعان أو الانقيادِ والاتباع، وكلها مرادفات متقاربة في المعنى.

 

• قال أبو البقاء الكفوي في (الكليات): الإعراض: أن تولِّي الشيء عرضك؛ أي: جانبَك، ولا تقبِلَ عليه، والتولي: الإعراض مطلقًا، ولا يلزمه الإدبار... والإعراض: الانصراف عن الشيء بالقلب، قال بعضهم: المعرِض والمتولي يشتركانِ في السلوك، إلا أن المعرض أسوأ حالًا... وغاية الذم الجمعُ بينهما.

 

• والإعراض إما أن يكون عن القَبول كلية، أو عن العمل؛ قال الإمام القرطبي - رحمه الله - في قوله تعالى: ?... وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ? [الجن: 17]، قال: يعني القرآن؛ قاله ابن زيد، وفي إعراضه عنه وجهان: أحدهما: عن القبول، إن قيل في أهل الكفر، الثاني: عن العمل، إن قيل: إنها في المؤمنين.

 

ثانيًا: ذِكر الإعراض والمعرِضين في القرآن الكريم: لقد حذَّر اللهُ تعالى من مغبَّةِ الإعراض عن طريق الهدى والاستقامة الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، ونهانا سبحانه وتعالى عن مسايرة مَن يفعلون ذلك، أو الركونِ إليهم، وكذلك بيَّن الله تعالى أن فَعلتهم هذه تجرُّ عليهم الوبال في الدنيا والآخرة.

 

أ) بيَّن الله تعالى أنه لا أحدَ أظلمُ ممن يُعرض عن ذكر الله وآياته؛ قال تعالى: ? وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا ? [الكهف: 57].

 

• قال الإمام القرطبي رحمه الله: ? وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ? [الكهف: 57]؛ أي: لا أحَدَ أظلمُ لنفسه ممن وُعظ بآيات ربه، فتهاون بها، وأعرض عن قَبولها.

 

• قال سيد قطب رحمه الله: فهؤلاء الذين يستهزئون بآيات الله ونُذُرِه لا يرجى منهم أن يفقَهوا هذا القرآنَ، ولا أن ينتفعوا به؛ لذلك جعل اللهُ على قلوبهم أغطيةً تحُولُ دون فقهه، وجعل في آذانهم كالصَّمم فلا يستمعون إليه، وقدَّر عليهم الضلال بسبب استهزائهم وإعراضهم، فلن يهتدوا إذًا أبدًا؛ فللهُدَى قلوب متفتحة مستعدة للتلقي.

 

2- قال تعالى: ? وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ? [السجدة: 22].

 

• جاء في فتح القدير للإمام الشوكاني - رحمه الله -: أي: لا أحدَ أظلمُ لنفسه ممن وُعظ بآيات ربه التنزيلية أو التكوينية أو مجموعهما، فتهاون بها، وأعرض عن قَبولها، ولم يتدبَّرْها حق التدبُّر، ويتفكَّرْ فيها حق التفكُّر.

 

3 - قال تعالى: ? أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ? [آل عمران: 23].

 

• قال الإمام القرطبي رحمه الله: قال ابن عباس: هذه الآية نزلت بسبب أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت المِدْرَاسِ على جماعة مِن يَهودَ، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دِينٍ أنت يا محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني على ملةِ إبراهيم))، فقالا: فإن إبراهيم كان يهوديًّا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فهلُّموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم))، فأبَيَا عليه؛ فنزلت الآية.

 

ب) جعل الله تعالى من وظيفة رسله عليهم السلام (الإنذار - النِّذارة - التخويف) من مغبَّة التولي والإعراض؛ قال تعالى: ? وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ? [هود: 52].

 

2 - قال تعالى: ?... وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ? [محمد: 38].

3 - قال تعالى: ? قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ? [الفتح: 16].

 

ج) أمَر الله تعالى بعدم الاكتراث بالمعرضين - بعد استنفادِ الأسباب معهم - وأن نَكِلَ أمرهم إلى الله تعالى؛ قال تعالى: ? وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ? [النساء: 61 - 63].

 

2- قال تعالى: ? مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا * وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ? [النساء: 80، 81].

 

3- قال تعالى: ? اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ? [الأنعام: 106، 107].

 

4- قال تعالى: ? وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ * خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ? [الأعراف: 198، 199].

 

5- قال تعالى: ? فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ? [الحجر: 94].

6- قال تعالى: ? وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ? [السجدة: 28 - 30].

 

7- قال تعالى: ? فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ ? [الشورى: 48].

 

8- قال تعالى: ? فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ? [النجم: 29، 30].

 

د) بيَّن اللهُ تعالى أن المعرضين لهم صنوف مِن العذاب في الدنيا والآخرة، تناسب ما قاموا به مِن إعراض؛ قال تعالى: ? وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ? [طه: 124 - 126].

 

2 - قال تعالى: ? وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ? [آل عمران: 81، 82].

 

3- قال تعالى: ? لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ? [النساء: 172، 173].

 

4- قال تعالى: ? وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ? [الأعراف: 175 - 177].

 

5 - قال تعالى: ? وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ? [التوبة: 75 - 77].

 

6 - قال تعالى: ? وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ? [النور: 47].

 

7- قال تعالى: ? لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ? [سبأ: 15 - 17].

 

8 - قال تعالى: ? وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ? [الذاريات: 38 - 40].

قال تعالى: ? فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ? [فصلت: 13].

 

9 - قال تعالى: ? وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ? [النساء: 115].

 

10 - قال تعالى: ? إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ? [طه: 48].

 

11- قال تعالى: ? إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا * كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا ? [طه: 98 - 101].

 

12 - قال تعالى: ? إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ? [النور: 11].

 

13 - قال تعالى: ? كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى ? [المعارج: 15 - 18].

 

14 - قال تعالى: ?... وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ? [الجن: 17].

 

15 - قال تعالى: ? فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ? [الليل: 14 - 16].

 

بهذه الآياتِ البيِّنات أقام اللهُ تعالى الحجة على عباده؛ فلقد أرسل اللهُ تعالى الرسلَ مبشِّرين ومنذِرين، وأنزل الكتب، وبيَّن السبيل؛ فالأجرُ والنعيم لسالكيه، والعقابُ والجحيم لناكِبِيه.

 

ثالثًا: الاعتبار بمصارع المعرِضين:

جاء في موسوعة الفقه الإسلامي: وكان يقينُ الأمم السابقة ثمانية أنواع: يقين قوم نوح على الكثرة.. وقوم عاد على القوة.. وقوم ثمود على الصناعة.. وقوم شعيب على التجارة.. وقوم سبأ على الزراعة.. وفرعون على المُلك.. وقوم عيسى على الطب.. وقارون على المال؛ ? فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ ? [العنكبوت: 40]؛ فأغرق اللهُ قوم نوح وفرعون وقومه، وأهلك عادًا بالريح، وأخذ قوم ثمود بالرجفة والصيحة والصاعقة، وقلَب الديار على قوم لوط، ورجمهم بالحجارة، وخسَف بقارون الأرض، وأمطر قوم شعيب بنارٍ مِن السماء؛ قال الله تعالى: ? فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ? [العنكبوت: 40].

 

رابعًا: أقوالُ أئمَّة الأمَّة في الإعراض والمعرِضين:

1 - قال أبو حامدٍ الغزالي - رحمه الله تعالى -: ومبدأ البُعدِ مِن الله هو المعاصي والإعراض عن الله بالإقبال على الحظوظ العاجلة، والشهوات الحاضرة، لا على الوجه المشروع.

 

2 - وقال الرازي - رحمه الله تعالى -: مطلَعُ الخيراتِ وعنوان السعادات هو الإقبالُ على الله تعالى، ومطلَعُ الآفات ورأس المخافات هو الإعراضُ عن الله تعالى، والبُعد عن طاعته، والاجتناب عن خدمته.

 

3 - وقال ابن القيِّم - رحمه الله تعالى -: ومِن أعظم أسباب ضِيق الصدر: الإعراضُ عن الله تعالى، وتعلُّق القلب بغيره، والغفلة عن ذِكره، ومحبَّة سواه؛ فإن مَن أحبَّ شيئًا غيرَ الله عُذِّب به، وسُجِن قلبُه في محبة ذلك الغير، فما في الأرض أشقى منه، ولا أكسف بالًا، ولا أنكد عيشًا، ولا أتعب قلبًا.

 

4- وقال أيضًا: رأيتُ سببَ الهموم والغموم الإعراضَ عن الله عز وجل، والإقبالَ على الدنيا.

 

5- وقال أبو ترابٍ النخشبي - رحمه الله -: إذا ألِف القلبُ الإعراضَ عن الله، صحِبه الوقيعةُ في أولياء الله.

 

6- قال أبو القاسم القشيريُّ - رحمه الله -: الاستقامةُ على الطريقة تقتضي إكمالَ النعمة، وإكثار الراحة، والإعراضُ عن الله يوجب تنغُّصَ العيش، ودوام العقوبة.

 

7- وقال العلامة الشِّنقيطي - رحمه الله - في قوله تعالى: ? فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ? [المدثر: 49 - 51]، قال: فيجب على المُذكِّر والمُذكَّر أن يعمَلا بمقتضى التذكرة، وأن يتحفَّظا عن عدم المبالاة بها؛ لئلا يكونَا حِمارينِ مِن حُمُرِ جهنَّم.

 

• وختامًا: لا يسَعُنا إلا أن نذكر بما ذكَّر به الصِّدِّيق أبو بكر رضي الله عنه:

عن عبدالله بن عكيم قال: خطبنا أبو بكر رضي الله عنه، فقال: أما بعد، فإني أُوصيكم بتقوى الله، وأن تُثْنوا عليه بما هو أهله، وأن تخلِطوا الرغبةَ بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة، إن الله أثنى على زكريا وأهلِ بيته فقال: ? إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ? [الأنبياء: 90]، اعلَموا - عبادَ الله - أن الله قد ارتهن بحقِّه أنفسَكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، واشترى منكم القليلَ الفانيَ بالكثير الباقي، وهذا كتابُ الله فيكم، لا تَفنى عجائبه، ولا يُطفَأ نورُه، فصدِّقوا قوله، وانتصِحوا كتابه، واستضيئوا منه ليوم القيامة، وإنما خلَقكم لعبادته، ووكَّل بكم الكرام الكاتبين، يعلمون ما تفعلون، ثم اعلموا - عباد الله - أنكم تَغْدُون وتَرُوحون في أجلٍ قد غُيِّب عنكم علمُه، فإن استطعتم أن تنقضي الآجالُ وأنتم في عمل الله فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مَهَلٍ آجالَكم قبل أن تنقضي آجالُكم فترُدَّكم إلى سُوء أعمالكم؛ فإن أقوامًا جعلوا آجالهم لغيرهم، ونسُوا أنفسهم، فأنهاكم أن تكونوا أمثالَهم، الوحَا الوحَا، النَّجاءَ النَّجاءَ، إن وراءكم طالبًا حثيثًا، مَرُّه سريعٌ.

 

• الوحَا الوحَا: لفظ يقال في الاستعجال: الوحا الوحا: البَدَارَ البَدَارَ.

اللهم خُذْ بأيدينا إليك، أَخْذَ الكرام عليك، اللهم أحسِنْ عاقبتَنا في الأموركلها، وأجِرْنا مِن خِزْيِ الدُّنيا وعذابِ الآخرةِ.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook