ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله

الكاتب: المدير -
ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله
"ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله




• قال تعالى: ? وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ? [البقرة: 140].

• قال الإمام القرطبي رحمه الله: قوله تعالى: ? وَمَنْ أَظْلَمُ ? لفظُه الاستفهام، والمعنى: لا أحد أظلم ? مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً ? يريد عِلمَهم بأن الأنبياء كانوا على الإسلام.

 

وقيل: ما كتموه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم؛ قاله قتادة، والأول أشبهُ بسياق الآية.

? وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ? وعيد وإعلام بأنه لم يترك أمرهم سُدًى، وأنه يجازيهم على أعمالهم، والغافل: الذي لا يفطن للأمور إهمالًا منه؛ مأخوذ من الأرض الغُفل، وهي التي لا عَلَم بها ولا أثر عمارة، وناقة غفل: لا سِمَة بها، ورجل غفل: لم يجرِّب الأمور.

 

• قال الإمام السيوطي رحمه الله: وأخرج عبدُ بنُ حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ? وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ? قال: في قول يهود لإِبراهيم وإسماعيل ومَن ذُكر معهما أنهم كانوا يهودًا أو نصارى، فيقول الله لهم: لا تكتموا مني شهادة إن كانت عندكم، وقد علم الله أنهم كاذبون.

 

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ? وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً... ? الآيةَ، قال: أولئك أهل الكتاب كتموا الإِسلام وهم يعلمون أنه دين الله، واتخذوا اليهودية والنصرانية، وكتموا محمدًا وهم يعلمون أنه رسول الله.

 

وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ? وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ?، قال: كان عند القوم من الله شهادةٌ أن أنبياءه بُرآء من اليهودية والنصرانية.

 

• قال تعالى: ? وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ? [البقرة: 283].

 

قال الزمخشري رحمه الله: فإن قلتَ: هلا اقتصر على قوله: ? آثِمٌ ?؟ وما فائدة ذكر القلب والجملةُ هي الآثمة لا القلب وحدَه؟ قلتُ: كتمان الشهادة هي أن يضمرها ولا يتكلم بها، فلما كان إثمًا مقترفًا بالقلب، أسند إليه؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يُعمل بها أبلغ؛ ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد: هذا مما أبصرته عيني، ومما سمعته أذني، ومما عرَفه قلبي؟.

 

• جاء في كتاب البيان في مذهب الإمام الشافعي في باب (الشهادات) قال: ... وهو فرض على الكفاية؛ إذا دُعي إلى الشهادة جماعةٌ فأجاب شاهدان، سقط الفرض عن الباقين؛ لأن القصد من الشهادة التوثيق، وذلك يحصل بشاهدين، فإن امتنع جماعتهم عن الإجابة، أثِموا، فإن لم يكن في موضعٍ إلا شاهدان، فدُعيا إلى تحمل الشهادة، تعيَّنت عليهما الإجابة، فإن امتنعَا أثمَا؛ لأن المقصود لا يحصل إلا بهما.

 

وكذلك أداء الشهادة فرض؛ وهو: إذا كان مع رجلٍ شهادةُ آخر، فدعاه المشهود له إلى أدائها عند الحاكم، وجب عليه أداؤها عند الحاكم؛ لقوله تعالى: ? وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ? [البقرة: 283]، فنهى عن كتمان الشهادة وتوعده على كتمها، فدل على أنه يجب إظهارها، وقوله تعالى: ? وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ? [البقرة: 282]، وهذا يعم حال التحمُّل وحال الأداء.

 

وهو فرض على الكفاية، إذا أدى الشهادة اثنان من الشهود، سقط الفرض عن الباقين؛ لأن القصد منه إثبات الحق، وذلك يحصل بهما.

 

• وحكى المسعودي في الإبانة وجهًا آخر: أنه إذا دعي لأداء الشهادة، تعيَّن عليه الأداء وإن كان هناك غيره؛ لأنه إذا امتنَع ربما امتنَع غيرُه، فيؤدي إلى الإضرار بالمشهود له، والأول هو المشهور، فإن امتنع جميع الشهود من الأداء، أثِموا.

وقد يتعيَّن الأداء على شاهدين، فإن لم يشهد على الحق إلا اثنان، أو شهِد عليه جماعة لكنهم غابوا أو ماتوا أو كانوا فساقًا إلا اثنين، فإنه يتعين عليهما الأداء إذا دُعيا للأداء؛ لأن المقصود لا يحصل إلا بهما.

 

ذكر أداء الشهادة في القرآن الكريم:

لأهمية أمر الشهادة في المجتمع المسلم وتأديتها على وجهِها الصحيح؛ أكَّد الله تعالى على هذا الأمر في مواضعَ عديدة في القرآن الكريم؛ حتى لا يُنتقص الدين ولا يُحرَّف، وحتى لا تضيع الحقوق بين الناس.

 

أ- حذر الله تعالى من كتمان الشهادة أو تغييرها:

• قال تعالى: ? يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ * وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ? [البقرة: 40 - 42].

 

• وقال تعالى: ? الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ? [البقرة: 146].

 

• وقال تعالى: ? وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ? [البقرة: 283].

 

• وقال تعالى: ? يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ? [آل عمران: 71].

 

• وقال تعالى: ? وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ? [آل عمران: 187].

 

• وقال تعالى: ? وَإِذَا جَاؤُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ ? [المائدة: 61].

 

• وقال تعالى: ? مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ? [المائدة: 99].

 

• وقال تعالى: ? قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ * إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ? [الأنبياء: 108 - 110].

 

• وقال تعالى: ? وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ? [الطلاق: 2، 3].

 

ب- أمر الله تعالى بأداء الشهادة على حقها وعلى وجهها الصحيح، ولو كانت على النفس أو الوالدين والأقربين:

• قال تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ? [النساء: 135].

 

• قال تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ ? [المائدة: 106].

 

ج- حذر الله تعالى من شهادة الزور، وعدَّها النبي صلى الله عليه وسلم من أكبر الكبائر كما سيأتي:

• قال تعالى: ? ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ? [الحج: 30].

 

• قال تعالى: ? وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ? [الفرقان: 72].

 

د- توعَّد الله تعالى مَن يكتم الشهادة بالعذاب الأليم:

• قال تعالى: ? إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ? [البقرة: 159، 160].

 

• وقال تعالى: ? إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ? [البقرة: 174، 175].

 

• وقال تعالى: ? فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ? [النساء: 41، 42].

 

• وقال تعالى: ? وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ? [النور: 4].

 

هكذا سدَّ الله تعالى الذرائع التي تؤدي إلى إهدار هذه القيمة، فيكون المجتمع مُراقبًا لله تعالى، فلا يُحرَّف الدين ولا يُنتقص، ولا تُهدر حقوق العباد ولا تضيع.

 

ذكر أداء الشهادة في السُّنة النبوية المطهَّرة:

لقد حرَص النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ الرسالة وأداء الأمانة، وشهِد بذلك القاصي والداني، والعدوُّ والحبيب، فلم يكتُمِ النبي صلى الله عليه وسلم أدقَّ الأمور وأبسطها، فبلَّغ كلمة قل، كما بلَّغ ما عاتبه الله تعالى فيه، فلم يكتم قوله تعالى: ? وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ? [الأحزاب: 37]، ولم يكتم قوله تعالى: ? عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ? [عبس: 1، 2].

 

1- وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: مَن حدَّثك أنَّ محمدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَتَم شيئًا مما أُنزِل عليه، فقد كذَب؛ واللهُ يقولُ: ? يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ? الآيةَ [المائدة: 67]؛ (رواه البخاري).

 

2- وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: لو يكتُمُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شيئًا من القرآنِ لكتم هذه الآيةَ: ? وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ? [الأحزاب: 37]؛ (رواه ابن عساكر في معجم الشيوخ، وقالت محققته: حسن صحيح).

 

3- عن سعيد بن جبير رحمه الله قال: جاءَ رجلٌ ابنَ عبَّاسٍ، فقالَ: سَمِعْتُ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يقولُ - يعني إخبارًا عنِ المشرِكينَ يومَ القيامةِ أنَّهُم قالوا -: ? وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ? [الأنعام: 23]، وقالَ في الآيةِ الأُخرَى: ? وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ? [النساء: 42]، فقالَ ابنُ العبَّاسِ: أمَّا قولُهُ: ? وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ?، فإنَّهم لمَّا رأوا أنَّهُ لا يدخلُ الجنَّةَ إلَّا أَهْلُ الإسلامِ، قالوا: تعالَوا فلنجحَدْ، فقالوا: ? وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ?، فختمَ اللَّهُ علَى أفواهِهِم وتَكَلَّمتْ أيديهِم وأرجلُهُم ? وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ?؛ رواه الطبري وصححه الشيخ أحمد شاكر في عمدة التفاسير.

 

4- عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: يقولون: إن أبا هريرةَ يُكْثِرُ الحديثَ، واللهُ الموعدُ، ويقولون: ما للمهاجرين والأنصارِ لا يُحَدِّثون مثلَ أحاديثِه؟ وإن إخوتي مِن المهاجرين كان يَشْغَلُهم الصَّفْقُ بالأسواقِ، وإن إخوتي مِن الأنصارِ كان يَشْغَلُهم عملُ أموالِهم، وكنتُ امرأً مسكينًا، أَلْزَمُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، فأَحْضُرُ حينَ يَغِيبون، وأَعِي حين يَنْسَون، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومًا: ((لن يَبْسُطَ أحدٌ منكم ثوبَه، حتى أَقْضِيَ مقالتي هذه، ثم يَجْمَعَه إلى صدرِه، فيَنْسَى مِن مقالتي شيئًا أبدًا))، فبَسَطْتُ نَمِرَةً ليس عليَّ ثوبٌ غيرَها، حتى قضى النبيُّ صلى الله عليه وسلم مقالتَه، ثم جَمَعْتُها إلى صدري، فوالذي بعَثَه بالحقِّ، ما نَسِيتُ مِن مقالتِه تلك إلى يومي هذا، واللهِ لولا آيتانِ في كتابِ اللهِ ما حدَّثْتُكم شيئًا أبدًا: ? إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ... ? إلى قوله: ? الرَّحِيمُ ? [البقرة: 159، 160]؛ (رواه البخاري).

 

5- عنِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه: ? وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ ? الآيةَ [فصلت: 22]: كان رجلانِ من قريشٍ وخَتَنٌ لهما من ثَقيفٍ، أو رجلانِ من ثَقيفٍ وخَتَنٌ لهما من قريشٍ، في بيتٍ، فقال بعضُهم لبعضٍ: أترَوْنَ أنَّ اللهَ يَسمَعُ حديثَنا؟ قال بعضُهم: يَسمَعُ بعضَه، وقال بعضُهم: لئنْ كان يَسمَعُ بعضَه لقد يَسمَعُ كلَّه، فأُنزِلَتْ: ? وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ ? الآيةَ [فصلت: 22]؛ (رواه البخاري).

 

• وختنٌ: الختن: كل مَن كان من قِبَل المرأة كأبيها وأخيها، وكذلك زوج البنت أو زوج الأخت، والأنثى: خَتَنَةٌ. والجمع: أختان.

6- عن عمران بن الحصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خيرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الذين يَلُونَهُمْ - قال عِمْرانُ: فلَا أَدْرِي أذَكَرَ بعدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثلاثًا - ثُمَّ إنَّ بعدَكُمْ قومًا يشْهَدُونَ ولَا يُسْتَشْهَدُونَ، ويخونونَ ولَا يُؤْتَمَنُونَ، ويَنذرونَ ولَا يُوفونَ، ويَظْهَرُ فيهم السِّمَنُ))؛ (رواه البخاري).

 

7- عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا لَعنَ آخرُ هذه الأمةِ أولَها، فمن كتَم حديثًا فقد كتم ما أنزل اللهُ عَزَّ وَجَلَّ))؛ رواه ابن ماجه (263)، وقال في عون المعبود: رجاله ثقات.

 

8- عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((بينَ يدَي السَّاعةِ: تسليمُ الخاصَّةِ، وفُشُوُّ التجارةِ حتَّى تُعينَ المرأةُ زوجَهَا علَى التجارةِ، وقَطعُ الأرحامِ، وفُشُوُّ القلَمِ، وظُهورُ الشَّهادةِ بالزُّورِ، وكِتْمانُ شَهادةِ الحقِّ))؛ (صححه الألباني).

 

• تسليمُ الخاصَّةِ: وهو أنْ لا يُلقِي الرجل السلام إلا على مَنْ يعرفه، ويدَع السلام على مَنْ لا يعرف.

• وفُشُوُّ القلَمِ: انتشار المؤلَّفات والكتب ووسائل المعرفة انتشارًا واسعًا، والقصد هنا هو السعي لطلب العلم من أجل تحصيل المناصب الدنيوية.

• قال البرزنجي - رحمه الله - في كتاب (الإشاعة): وفشو القلم كناية عن كثرة الكتبة وقلة العلماء؛ يعني: يكتفون بتعلم الخط ليخالطوا الحكَّام.

 

9- عن نفيع بن الحارث الثقفي أبي بكرة رضي الله عنه قال: كُنَّا عندَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم فقال: ((ألا أنَبِّئُكم بأكبرِ الكبائرِ؟ - (ثلاثًا) -: الإشراكُ باللَّهِ، وعقوقُ الوالدينِ، وشهادَةُ الزُّورِ - أو قولُ الزُّورِ))، وكان رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم متَّكِئًا فجلَسَ، فما زال يكرِّرُها حتَّى قُلنا: ليتَهُ سكَتَ؛ (رواه مسلم).

 

10- عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن حلَف يَمينًا كاذِبًا، لِيَقْطعَ مالَ رجلٍ - أو قال: أخيهِ - لَقيَ اللَّهَ وهو عليهِ غَضْبانُ، وأنزل الله تصديقَ ذلك في القرآن: ? إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ? الآيةَ [آل عمران: 77]، فَلَقِيَنِي الأَشْعَثُ فقال: ما حَدَّثَكُم عبدُاللَّهِ اليومَ؟ قُلْت: كذا وكذا، قال: فيَّ أُنْزِلَتْ؛ (رواه البخاري).

 

• من خلال هذه الأحاديث وغيرها ربَّى النبي صلى الله عليه وسلم جيلًا فريدًا يراقب الله تعالى في النقير والقِطمير، فنرى أبا بكر الصديق رضي الله عنه ينتفض لمحاربة المرتدين ومانعي الزكاة قائلًا: إنه قد انقطع الوحي وتم الدِّين، أينقص وأنا حي؟!، والأمثلة في ذلك أكثر من أن تُعَدَّ.

 

وختامًا: بقي لنا أن نقول:

• أي دين أكَّد على أداء الشهادة وعدم كتمانها أو تحريفها مثل الدين الإسلامي؟

• أي دين وضع شروطًا للشاهد بأن يكون (مُسلمًا حُرًّا بالغًا عاقلًا، مُجتنبًا للكبائر، غير مُصِر على الصغائر، ولا على ما يُسقط المروءة) مثل الدين الإسلامي؟

 

الحمد لله على نعمة الإسلام

والحمد لله على نعمة القرآن

والحمد لله أنْ جعلَنا من أمة خير الأنام صلى الله عليه وسلم


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook