ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله

الكاتب: المدير -
ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله
"ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله




كان من أفعال المشركين القبيحة الصدُّ عن المسجد الحرام، بالتشويش والصفير والتصفيق، والإتيان بتصرفات لا تليق بقدسية هذا البيت الحرام، ولا تتفق مع وجوب توقيره، كما أنهم منَعوا المسلمين أن يطوفوا به وأن يصلُّوا فيه، وكانوا يؤذونهم بسبب ذلك، ثم أضافوا إلى تلك الأفعال القبيحة - وذلك من غبائهم وسفههم، وسوء تقديرهم وصنيعهم - أنهم جمعوا الأموال ورصدوها لحرب المسلمين والصد عن سبيل الله، قال تعالى: ? إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ? [الأنفال: 36].

 

وقد جاء في مطلع السورة الكريمة ذكرُ إنفاق المؤمنين، وجاء هنا ذكر إنفاق المشركين، وشتَّان بين إنفاقٍ وإنفاقٍ، فجاء الذِّكر الأول في سياق المدح، وجاء الثاني في سياق الذم والتوبيخ، فالمؤمنون يُنفِقون أموالهم في سبيل الله؛ أي: في الدعوة إلى الله والجهاد لإعلاء كلمة الله، وأما المشركون، فيُنفِقون أموالهم للصد عن سبيل الله وحرب المؤمنين.

 

والمؤمنون حينما يُنفِقون أموالهم، فإن هذه الأموال تنمو وتربُو، ويبارك الله تعالى فيها، أما الكافرون حينما ينفقون أموالهم، فإن هذه الأموال تضيع هباءً ولا تأتي بثمرة.

 

ولقد أنفق كفار مكة، وجمَعوا الأموال وأنفقوها في التجهيز لحرب المسلمين ولإطعام جيش المشركين، فقد ذكر محمد بن إسحاق (أنه لما أُصِيبت قريش في بدر، ورجع أبو سفيان بعِيرِه، مشى عبدالله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلَّموا أبا سفيان ومَن كانت له في تلك العِير من قريشٍ تجارةٌ، فقالوا: يا معشر قريش، إن محمدًا قد وتَرَكم وقتل خياركم، أعينونا بهذا المال على حربه، ففعلوا) [1].

 

وذكر ابن كثير أيضًا في تفسير الآية أنها: (نزلت في أهل بدر، وعلى كل تقدير، فهي عامة، وإن كان سبب نزولها خاصًّا).

وهذا هو دأب المشركين دائمًا، لقد أنفقوا الأموال الطائلة الهائلة في حرب الإسلام والمسلمين، وهم كذلك يُنفِقون الآن، وسيُنفِقون أيضًا في الأيام القادمة، وسيَخِيب رجاؤهم، وسيجنون الحسرة، ولن يستطيعوا أن ينالوا من هذا الدين، ولن يتمكنوا من إطفاء نور الله عز وجل، وسيجعل الله تعالى عملَهم وسعيَهم وإنفاقهم حسرةً عليهم، ولن يحصدوا إلا الندامةَ والخزي والخسران، وسيُلاقون الهزيمةَ، وستسقط دولة الكفر وزعامة الباطل، فقد استعرَتِ الحرب على الإسلام والمسلمين، في صورة قتل وتدمير، واحتلال ونهب لثروات المسلمين[*]!

 

ومع تصاعُدِ تلك الحرب الصليبية الجديدة ضد الإسلام والمسلمين وتنوُّع أشكالها (سواء أخذت شكل حرب وتدمير واحتلال ونهب للثروات، أو كانت محاولة تشويه لصورة الإسلام بإهانات وافتراءات الجالسِ على كرسي البابوية في الفاتيكان؛ حيث ردد شبهة انتشار الإسلام بالسيف والاستهانة بالرسول صلى الله عليه وسلم في صحف وإذاعات الدنمارك وغيرها، وسوء معاملة المسلمين في الغرب وأمريكا، والحملة الشرسة على الحجاب في فرنسا وغيرها، ومساندة ومشاركة العلمانيين والماسونيين في بعض البلاد العربية - فإن الإسلام في زيادة وانتشار، وإن الدين الإسلامي هو أكثر الأديان انتشارًا في العالم، خصوصًا في أوروبا وأمريكا وإفريقيا).

 

ومما سبق يتضح ما يلي:

1- أن الكفار قديمًا وحديثًا يُنفِقون الأموال الهائلة لمنع انتشار الإسلام، وليصدُّوا الناس عن الدخول فيه والالتزام بتعاليمه السمحة.

 

2- أن حملات التشويه مستمرة منذ فجر الإسلام، وأنها أخذت طابعَ الشراسة والتنوُّع في هذا العصر، فهي تارةً غارةٌ على التراث الإسلامي، وتارة أخرى استهزاء بالقرآن الكريم وبنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، وتارة هي حرب على الحجاب والمتحجبات العفيفات، وتارة أخرى رفض لأحكام الشريعة الإسلامية، خصوصًا إقامة الحدود، واتهام الشريعة الإسلامية بالرجعية والقسوة والتشدد، ثم اتهام الإسلام بأنه دين العنف والإرهاب.

 

3- تقصير الدعاة في أداء واجباتهم تجاهَ الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، فبينما تتحرَّك قوافل المبشِّرين والإرساليات التي تساندها مؤسساتٌ ودولٌ تُنفِق عليها البلايين لتنصير المسلمين تحت ضغط الفقر والحاجة أو الجهل أو الجنس - فإن أجهزة الدعوة الإسلامية والدعاة إلى الله تعالى يعانون من العجز، وضعف المستوى، وقلة الإمكانات، فضلًا عن محاولات التعجيز والتضييق!

 

4- جاءتِ البشارةُ مِن الله تعالى لتقوية قلوب المؤمنين المخلصين، ولتحزن وتتحسَّر قلوب الكافرين الحاقدين - في الآية الكريمة، في قوله تعالى: ? فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ? [الأنفال: 36]، فكأن الله تعالى يطمئن عباده المؤمنين الصابرين على ما أصابهم من اضطهاد وتضييق، ويخبرهم بأن أموالًا ستُنفَق، لكنها لن تعود بنفع ولا بتحقيق هدف، وستضيع هباءً بلا أثر، ولن تنال من الإسلام، بل إن الواقع يشهد بعكس ما أرادوا، فقد أرادوا القضاء على الإسلامِ، والإسلامُ في انتشار واتِّساع رغم محاولاتهم ومخططاتهم، فليموتوا بغيظهم، قال تعالى: ? يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ? [التوبة: 32].

 

5- أن هذه الحسرة التي ستكون على الكافرين إنما هي حسرة لأنهم لن يصلوا إلى أهدافهم مع خسارة هذه الأموال التي أنفقوها، فقد ضاعت بلا عائد ولا فائدة عادت عليهم، وهي كذلك حسرةٌ وخسارة من حيث إنهم ضرُّوا أنفسهم، فكانوا من أصحاب جهنم يُعذَّبون فيها العذاب الأليم المقيم، وحسرة لأنهم قد خاب سَعْيُهم، وتبدَّدت آمالهم، واكتشفوا أنهم كانوا خبثاء أغبياء!

 

6- لقد ابتَلَى الله عز وجل عبادَه المؤمنين بالكفار يقاتلونهم، ويُنفِقون الأموال لحربهم؛ لإظهار صبرهم وثباتهم على الحق، وليُثابوا على جهادهم ومقاومتهم للباطل، وللأفعال القبيحة، والمحاولات الخبيثة لأهل الكفر.

 

7- وهناك أموال تُنفَق، ومواقف لا بد أن تتميز، فهناك مال طيب يُنفَق في سبيل الله، وهناك مال خبيث يُنفَق للصد عن سبيل الله، كما أن هناك معسكر الإيمان ومعسكرات للكفر، أما معسكر الإيمان، فإن الله كتب له العزة والنصر في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة، وأما معسكرات الكفر، فلهم الذلُّ والهزيمة في الدنيا، ثم يجمعهم الله بعضهم على بعض فيجعلهم في جهنم، كما قال تعالى: ? لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ? [الأنفال: 37].

 

ومن هنا يتبين أن حكمة أحكم الحاكمين اقتَضَت أن يتميَّز الفريق الخبيث من الفريق الطيب، والمواقف الخبيثة من المواقف الطبية، والمال الخبيث من المال الطيب، والسعي الخبيث من السعي الطيب؛ لتتحدَّد بعد ذلك النتائج والمصاير، فهؤلاء المشركون صدُّوا عن المسجد الحرام، وصدوا عن سبيل الله، وشاقُّوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وفَتَنوا المسلمين وعذَّبوهم، وطردوهم وتعقبوهم، وخرجوا لقتالهم، أليسوا يستحقون التأديب؟ أليس قتالهم قد وجَب وتحتَّم؟ أليس مِن حق المسلمين أن يدافعوا عن دينهم ودعوتهم وأنفسهم؟ أليس قتالهم قتالَ عدلٍ؟ ومع هذا فإن الله تعالى يُوجِّه لهم هذا الخطاب: ? قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ? [الأنفال: 38].




[1] السيرة النبوية؛ لابن هشام، ج2، ص 236، وتفسير ابن كثير، ج2، ص 307.

[*] جاء في تقرير بيكر - هاملتون الذي أعدَّه جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، والسيناتور الديمقراطي لي هاملتون، والصادر في 6/12/2006 - أن أمريكا أنفقت في حرب العراق 2 تريليون دولار، (وتسرق نصف مليون برميل نفط يوميًّا)، ومع هذا، فإنها تخسر ثلاثة جنود قتلى مع كل طلعة شمس، حتى بلغ عدد القتلى في الجيش الأمريكي حوالي أربعة آلاف جندي وواحد وعشرين ألف جريح، واعترف التقرير بخطأ قرارِ الحرب، وصعوبة الخروج من المأزق، وأن أمريكا لم تحقِّق أهدافها بسبب عنف وتصاعد المقاومة؛ (انظر جريدة الأسبوع، العدد 507 في 11/12/2006، ص 1، 6، 7).


"
شارك المقالة:
5 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook